|
حوار مع الروائي الفلسطيني الساخر رشاد أبو شاور
عيسى السعيد
/باريس
Aissa.assaid@yahoo.fr
((
ونحن في سيارة الشحن ،نجلس فوق العفش ونغادر قرية "بيت جبريل" إلي الخليل العام
1948،وخلفنا قرانا ...التين والزيتون والعنب والصبّار،والكلاب والقطط النائمة...،لوى
عمي عنقه،ورفع صوته بحشرجة وقال :مع السلامة يا دورنا ،ومع السلامة يا تراب
جدودنا،اللقاء يوم اللقاء....)) وطوى عمي جسده ووارى وجهه بكوفيته واخذ ينتحب
ببكاءحار مر،ووراءنا ارتفعت زخات الرصاص المدوية ،وازت طائرة في الفضاء...ووصلنا
الخليل ...
تلك
الأيام : عرفنا فيها الموت والخوف والجوع ،والغربة...
آنذاك : تعلمنا فيها كلمة "يتسلل" اى عودة الآباء والإخوة والأعمام والأخوال إلى
القرى والأرض لإحضار بعض الفراش ،والقمح والأنعام الذي ترك في قرانا ..وهناك سقطت
طائرة ،أو قنبلة ..وشب حريق..
وتسلل عمي عثمان ،ولم يعد....!!؟؟
وخالد ابن عمي لم يعد...........!!؟؟
وكثيرون
لم
يعودوا لنا ، ولم يتسللوا جميعا ليحضروا القمح والأغطية...لقد قاتلوا وقتلوا
بفتح القافثم استشهدوا..وذات يوم تزنر والدي بحزامه وشبر يته"خنجره"
وسألته:
هذى !!
لا
ايش يابا؟؟؟(هذه!
!لماذا
يا أبي ؟؟)
قال
:هي للأيام السوداء....
عفوا نحن لسنا أمام مشهد سينمائي ،أو مسلسل متلفز؟! ،ولكن بهذه الكلمات المتواضعة
تداعى حوارنا وحديثنا مع الكاتب والروائي رشاد أبو شاور لذلك حين التقيت وإياه
آنذاك بمنفاه التونسي ،تجمعت في تلك اللحظات شريط طويل مرّ من الذكريات المشتركة
لنا في بيروت عروس العواصم والثقافة ،الحاضرة على الدوام دون فكاك!!
ولقاءي الأول به العام 1979 بعد العاصفة التي كان قد أثارتها روايته ومقالاته التي
تدين وتعري الفساد والمفسدين من القيادات الفلسطينية ما بعد الانسحاب من الأردن ؟؟
وقد رفض نشر الحوار في الصحافة الفلسطينية الذي أجريته وإياه حول أعماله، ولكن
إصراري على تقديم قلم حر ، لا رجل سياسة أو مخابراتي ،تم نشر الحوار ولكن بعد أن
قررت الانتشار في ارض الله الواسعة الحرة،و بعد أنأكدت لهم مقولة الرسام الفذ
الشهيد ناجي العلي الذي قالها لياسر عرفات :( إذا لم نأخذ حريتنا في ثورة لن نأخذها
في دولة) ولم يكن أحسن مما كان؟؟ وها بعد ثلاثين عاما الحرية شاهدة على كل
الضحايا؟؟؟
إن
الأحداث التي تركت - ومازالت – بصماتها واضحة على أبو شاور قياسا إلى عمره ،والذي
دفع ثمنها غاليا من صحته وحياته في جسده المتعب ،والتي كانت تهزه بعنف وصلت في كثير
من الأحيان (خصوصا بعد كل عمل روائي فاضح لكل الفساد والارذال إياهم بعد كل كارثة
تحيق بحراس الوطن/ الروح في كل الثغور والمدن الأولى المرابطة في مواجهة المخرز
الصهيوني البشع .وعند كل بوابات التخوم باتجاه الوطن الفلسطيني)!!
محاولة إجباره على الانهيار ،بل والإقدام أكثر من مرة على محاولة تصفيته
جسديا!!كما فعلوا ، مع ناجي العلي خوفا من رسوما ته الفاضحة الجارحة بلسان
أل"حنظل"!!
لذلك ليس مستغربا وإياه حين يقدم أعماله الإبداعية(منذ "البكاء على صدر الحبيب"، و"أه
يا بيروت "،و"الرب لم يسترح في اليوم السابع" ،وليس آخرا"سفر العاشق")!!
أن
يثير حوله الكثير من الإثارة الواعية و النقاش الحاد ،كما طرح سؤال كبير لا يصل إلى
إجابة !! وعلى الرغم من معرفته المسبقة للنتائج الوخيمة ،التي هو مقبل عليها؟؟!!
خصوصا حين يتقدم لمكاشفة وتعرية بعض جوانب حياة الفاسدين والمفسدين الفاسدة من
القيادات التي فرضت فرضا على ظهر الشعب الفلسطيني تحت مسميات وعناوين مخادعة
ومضللة!!والشواهد لام المهازل ماثلة للعيان على كل صعيد!
لعل
في حوارنا مع رشاد أبو شاور الذي ليس للمجاملة فيه من مكان كما رواياته المثيرة
والصاخبة صخب كل المبدعين الرواد من أمثاله،يحمل أكثر من دلالة ،وأغنى من معنى يجيب
فيه على كل التساؤلات والانتقادات كما الاتهامات التي طرحت حول أعماله؟؟
كما يكشف لنا الكاتب عن طفولته،وشبابه في مدينة أريحا ومخيماتها،وأحزان المنافي
،وأثرها العميق في أعماله الروائية ،خاصة رواية "العشاق" حيث أفتتن بناس أريحا
،وحياة الناس العاديين اليومية في المخيم الفلسطيني في مواجهة الموت اليومي ،كما
حياة وعواطف المرآة الشعبية المغدقة،وتقديمها أغلى ما تملك :زوجها وأولادها فداء
للوطن؟!وكانت من ضمن قائمةأفضل مائة رواية عربية نشرت.
كنت
على الدوام أحاول أن أتذكر وجه أمي التي افتقدتها قبل النكبة؟
فرأيت بياضا بلا حدود !!
*هلا حدثتنا عن طفولتك،وكيف كان لقاؤك الأول بالكتابة؟؟
--
عشت
طفولتي في أكثر من مكان ،وبداياتها المبكرة جدا كانت في قريتنا "ذكّرين"قرب مدينة
إبراهيم "الخليل"،التي اجبرنا على الرحيل عنها يوم جمعة من شهر تشرين أول /اكتوبرمن
العام 1948غادرنا إلى قرية "بيت جبريل"ثم إلى "الخليل"ومنها واصلنا الرحيل إلى "بيت
لحم"،حيث عشنا والأهل ثلاث سنوات ونصففي (مخيم الدهيشة)قرب المدينة الذي أصبح رمز
الانتفاضة الاولى1987 ؟!
كنت
على الدوام أحاول أن أتذكر وجهأمي التي افتقدتها قبل الرحيل بسنوات،ولكن لم اعي
الصراخ والبكاء والندب على الصبية زينب محمد صالح ،أمي ،التي مزق جسدها الحنون
(وأبور الطحين ) عندما تكسر تحت قدميها لوّح خشبي هش ،بينما كانت تمازحصاحبتها.
ولازلت اذكر كيف فوجئنا بالثلج وقد غطى المخيم؟ ولم اك آنذاك اعرف ما هو الثلج ؟!
لذلك حين استيقظنا في الصباح وفتحنا "أبواب"الخيمة ،رأيت بياضا بلا حدود.....!!!
ومازلت اذكر كيف كان يلتمع؟وكنت حافيا وارتدي ما يشبه سروال "الشورت"القصير،
وركضت في هذا البياض ثم بعد بضعة أمتار لم استطع أن انتزع ساقاي من هذا البياض
العجيب فبدأت بالصراخ فجاءوا وانتزعوني من الثلج، وعادوا بي إلى الخيمة .وظلوا
يحاولون إضرام العيدان المبتلة بالنيران لتدفئني،ولكن الخيمة امتلأت بالدخان ،ولم
تمتلئ ساقاي بالدفء !!!
بعدئذ نقلونا وسكان المخيم إلى داخل مدينة "بيت لحم" لإنقاذنا من الثلوج والموت
بردا!
وكان من حظنا أن نقلت عائلتنا إلى كنيسة قبالة( كنيسة المهد)،وبقينا ثمة عدة أيام
ومازلت اذكر تلك الراهبات وهن يدلكن أقدامنا،ويقدمن لنا الطعام الساخن لندفئ به
أجسادنا.....!!
آنذاك كما اذكر تم إيقاف الصلوات في الكنائس والمساجد من اجل جموع اللاجئين..الذين
كانوا يتجمعون بالمدينة .....
من فم جدتي تعلمت نسج الحكايات!
فيما بعد انتقلنا بسبب الثلج والبرد القارص إلى مدينة أريحا ،فكانت ثمة معركة مع
الطبيعة ولكن بشكل مختلف حيث الأفاعي والعقارب ومسببات الملا ريا من جراء الطقس
الحار الصحراوي....فعدنا مرة أخرى إلى مدينة "بيت لحم"..لفترة قصيرة !! إلا أن بقية
العائلة قد تجمعت من "الخليل"و"بيت لحم"،واستقروا ب(مخيم النويعمة) بمحيط مدينة
"أريحا" وأرسلوا لوالدي وناشدوه بالعودة إلى المخيم ؟ولما كان وجيه العائلةكما
يقولونفقد عاد بنا إلى( مخيم النويعمة) واستقر بنا المقام حتى العام 1958حيث
انتقلنا إلى داخل المخيمات المحيطة ب"أريحا"(عقبة جبر وعين السلطان)......
آنذاك لم تك ثمة سينما ،ولا تلفاز !! في حين كان الراديو بمقهى المخيم ..أما في
الليل فكنت أصغي لحكايات جدتي فاطمة ،ومعها تعلمت أن أصغي جيدا ،حيث من فم جدتي
تعلمت نسج الحكايات ،ومن حزنها وأشواقها تعلمت الحزن والصوفية العفوية ،وشجي
الروح...
لذلك وبالرغم من تجوالي وترحالي الدائم في العديد من أنحاء فلسطين ،فان أريحا
بالنسبة لي لم تك مكانا عشت فيه بل إنها المكان الذي عاش دائما في دو اخلي،ثم صارت
تتضح أكثر فأكثر خلال وجودي في الشام / دمشق...
إلى
أن عدت ووالدي وأسرتي بعد حوالي ثماني سنوات اى في العام1965... وقد أصبت بحالة من
الدهشة والذهول،يوم عودتي لأريحا،كما طغى علىّ إحساس بضرورة البحث والتقصي لدرجة
وصلت بي لحالة شعورية من الصعب التحدث عنها،وذلك طيلة سنتين ، خاصة بعدما رفضت
السلطة الأردنية منحنا جواز السفر ،بل ومنعنا من السفر أو حتى مغادرة المخيم
وأريحا؟؟!!!(يقيم أبو شاور حاليا في عمان بعد مغادرة تونس ).
وعندما اعتقل أبي في أريحا تعذبت جدتي ،وتلوعت على ابنها الوحيد،لذا كانت تتشمم
رائحة ملابسه التي كانت تحضرها من السجن لتغسلها وتعيدها له وقت الزيارة اللاحقة!!
ثم
ما لبثت أن ماتت حزنا عليه!!!
آنذاك تنقلت في أعمال عديدة بسيطة لتامين لقمة العيش لأسرتنا ...
ذات
يوم فكرت في البحث عن الآثار ،والتنقيب عن الحفريات حول مدينة أريحا ،وأتذكر باحث
أثار هام جدا من عائلة "الدجاني"ذهبت إليه في أحد الأمكنة بعد أن قطعت مسافات ليست
قليلة ،ثم أصبت بحالة من الشك !! لأنني كنت أجول في أماكن مهجورة ومليئة بالصخور
السوداء وما شابه ذلك!!
آنذاك قررت العودة للبحث عنه والمجموعة المرافقة له مرة أخرى .
ما
كنت لأبحثكما يفعل الصهاينةعن مبررات أن فلسطين لي ،ففلسطين الوطنلنا،ولكن كنت أسعى
للتعرف عليها أكثر لأنني كنت من جيل عاش منفيا ،ومهجرا،ومضطهدا بل ولاجئا فوق
أرضه!!!!!!
ومنذ ذلك الحين تحولت أريحا ،وفلسطين لدى إلى فكرة كي تكون واقعا ،تراثا ،وتاريخا
وقيما من لحم ودم ؟!
لذلك فأنني كروائي أو قاص معني جدا بالتعرف على جغرافية وطني وتاريخه كما عادات
ناسي وأهلي...حيث أن الجغرافيا كانت مؤثرة جدا بالنسبة لعادات الناس في أريحا .
أريحا أعطتني إمكانية كبيرة جدا للكتابة!!
لقد
افتتنت بالناس في أريحا ،ومن الصعب علىّ إذ بدأت التحدث عن ذلك،لأنني سأتوغل بعيدا
!ولكن دخلت عوامل كثيرة في علاقتي بهذه المدينة التاريخية ، وهنالك نقطة أظنك
تقصدها خلف سؤالك؟ على نحو ما أجيبك عنها بقدر استطاعتي كما يلي:
إن
أريحا أعطتني إمكانية جبارة ،شاملة وكبيرة جدا للكتابة عن الوطن والشعب والتراث و
الحياة،والتاريخ كما الجغرافيا، وأعتقد ان كل ذلك كان مخزوني العميق ،الذي شغلني
كثيرا فيما بعد كذكرى خصبة واعية ،وخيال رحب أسس لي الخطوات الاولى نحو عالم
الكتابة .
*ولكن كيف كان لقاؤك الأول بالكتابة ،وكيف بدأت....؟؟؟
تنهد بتأثر :
آآآخ...ذات
يوم جاء إلى مدرستنا أستاذ/رحمه الله/ مازلت أذكره وسيظل كذلك. فقد علمني القراءة
على الرغم من انه لم يك أستاذي مباشرة !! ولكنه كان يعلم تلاميذ الصف الذي يسبقني
،أي الأول إعدادي ، كان ذاك الأستاذ قد تخرج حديثا من الدراسة الثانوية وكانت تسمى
آنذاك أل(( مترك)) آي رابع ثانوي ،وكان نظام الدراسة آنذاك،إذا دخل التلميذ المدرسة
وعمره سبع سنوات يحصل على أل((مترك)) ويكون في عمره ثمانية عشر سنة !
الأستاذ كان اسمه عدلي عرفات من القدس ،التي يأتي منها إلى أريحا ،ومن أريحا إلى
"مخيم النويعمة " ثم يعود كل مساء إلى القدس !! كان لا يتعدى العشرين من عمره !!
ويأتي كما أجده في ذهني الآن شاحبا على نحو ما ،بعدئذ وأنا استذكره ،اكتشفت إن ثمة
وجه شبه بينه والكاتب الفذ الشهيد غسان كنفاني،والشبه الأكثر بينهما :انه كان مصابا
بمرض السكري،والمؤلم والمحزن أنه توفى العام 1961 وعمره دون الخامسة والعشرين
.(وكنت حينها في الشام/دمشق/ وعائلتي).
كان
الأستاذ عدلي ...يأتي إلى المدرسة في فصل الشتاء منتعلا جزمة(حذاء) سوداء ثقيلة من
النوع الرخيصاذكر أن سعرها كان أربعون قرشا !
كان
يدس فيها طرفيسرواله ويلبس حطة /كوفية/ مرقطة وعقالا ،وهو أميل إلى النحافة ،عندما،
كان يلعب كرة القدم على ساحة ملعب المدرسة أو الكرة الطائرة كان يشاغب على الأساتذة
الآخرينعز الدين ،وعاشور الرياضي المدهش ، والأستاذ جاك لاعب كرة الطائرة
المذهل......فكان عدلي عرفات يضرب الكرة بطريقة بهيجة حيث تطير معها "الجزمة "وتسقط
الكوفية والعقال ،ثم كان يغمى عليه من الضحك،فيعم الفرح العارم ساحة الملعب التي
تحتشد بالأساتذة والطلاب.....
لقد
قام الأستاذ عدلي بمشروع هام جدا بكل المقاييسعلى ما اعتقدحيث جمع من كل تلميذ من
الصفوف التي يدرسها (خمسة قروش )،وبعد أيام أحضر معه من القدسعدد كبير من الكتب
لأعمال أدبية شهيرة وعلى ما أذكر منها للمنفلوطي: (ما جدولين،بول وفرجينيا،النظرات
والعبرات )وغيرهم الكثير ....من الكتاب العرب والعالميين !
كان
عند بن عمي الذي كان يسبقني بعام كتاب "مجدولين"،وكانت حصته مع الأستاذ عدلي ،يومها
رجوته أن يعيرني إياه لقراءته،إلا انه ناكفني يومها ولم يوافق ؟! إلا أنني تربصت به
حتى خرج من البيت وأخذت الكتاب إلى بيتنا ،وبدأت في قراءته وحيدا في الليل،حيث إن
والدي كان أيامها مطاردا من السلطات الأردنيةوأمي متوفية وليس لي أخ أو أخت، ووالدي
لم يك متزوجا بعد .!!!
في
تلك الليلة أشعلت "السراج في زجاجة" لأتمكن من الرؤية والقراءة لعدم وجود الكهربا ء
في المخيم آنذاك ،وفعلا أنهيت قراءة "ما جدولين" ثم فجأة انفجرت ببكاء هائل جدا!!؟
وكأن القصة حقيقية التي قرأت :وكيف ان اثنين يحبون بعضهم ؟؟!ويلتقون تحت أشجار
الزيزفون؟؟!كنت اعرف الأشجار !أما "الزيزفون"فلم اك اعرفه!!
ثم
استعاد بن عمي الكتاب ، ولكنه لم يستعد مني لذة القراءة وحكاية "ما جدولين"!!!
وبدأت رحلتي بشراع الكتابة ..
يومها اذكر حدث أن أخذت طبلية /تربيزة/ طاولة صغيرة منخفضة للغسيل من عند امرأة عمي
،وخرجت شرقي(مخيم النويعمة ) وهناك وجدت الفضاء الرحب على مدى النظر ،وكنت شعرت
بالسرور الغامر والبهجة ،لأنني كنت ثمة عند القمة المنبسطة للجبل المطل على مخيمنا
كما مدينة أريحا التاريخية الخالدة ،أغني بصوتي أغاني شجية لامي الفتها بنفسي ،وكنت
اجلس وأمامي الطبلية واصفنّ ؟! واشرد بخيالي!!
أما
لماذا صافنّ؟؟!! ولماذا جئت ومعي الطبلية ؟؟ ولماذا أغني ؟؟ هذا ما أربكني يومها !!
ولم
اعرف الإجابة على أسئلتي ؟؟! ولكن عرفت بأنه يجب علىفعل شئ ما !!
أذكر يومها إنني كتبت أول رسالة لوالدي الذي كان منفيا إلى دمشق /الشام كتبت فيها :
(والدي العزيز ..اكتب إليك هذه الرسالة من على هذه المنضدة ......)!! وقد حيرته
الرسالةكما عرفت فيما بعد، حيث صارحني فقال لي يومها :" ما هذه الثقافة الغريبة
التي كونتها...؟؟! ".
في
تلك الأيام بالمخيم على ما اذكر ،اختارني الأستاذ(جمال) لتمثيل دور "بروتس"! وكان
ثمة أيضا عدة أساتذة آخرين أتذكرهم جيدا بكل الحب والفخر والحنين لأن أراهم ذات يوم
؟؟ هؤلاء الذين اعتبرهم المؤسسين الأوائل لإبداعاتنا ،كما هم الآباء الروحيين
لحياتنا الثقافية . أين أنتم يا أساتذتي ألان؟؟؟ وقد قدمتهم باعتزاز كما ترى ،وفي
رواية ""العشاق"".
اذكر أن والدي أيضا ،وهو رجلأمي !! عندما عاد إلينا من منفاه في دمشق ،احضر لي معه
روايات لمكسيم غوركي ،منها رواية "ألام" وغيرها ،وطلب مني أيامها أن اقرأهم له
ليملا بهما وقته ويتعلم ( حيث كان امميا منذ أيام عصبة التحرر الوطني في فلسطين قبل
العام 1948 )!
وحينما كان يأتي الليل كنت أبحث عن الجدات والعجائز الحنونات المغدقات عطفا وحنانا
في أطراف المخيم لأجلس إليهن واستمع لحكاياتهن بشغف ولهفة وتلذذ!!
أما
السينما فأصبحت تعرض أفلامها على جدران المخيم أو في المدارس ،واذكر أول مرة
شاهدتفيلماعتقدنا أن الممثلين سيهجمون علينا ،فصار كل واحد منا يتراجع للوراء!
واعتقد إن الحكايات التي كانت ترويها لي جدتي والجارات من العجائز والجدات ،مطرزة
وموشاة فيها من الدهاء والحنكة القصصية على الرغم من أميتهن،إلا أن تلك الطريقة
المدهشة من القص،كانت تفتح شهيتي للتأمل ،وانتظار الليل لسماع الحكايات ،ومتابعتها
بشوق ، خصوصا وتلقى على مسامعنا تحت ضوء القمر وسكّون الليل ،والسكينة الغامرة تخيم
عليها تخيلات الصبا !!
أما
الجانب الآخر من التكّون والتأثير فلربما وجدته أيضا: في أن والدي كان كثيرا ما يقص
علّّىّ رأيه في مقاومة الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية في فلسطين وذكرياته
مع ثوار 1936في جبال الخليل والقدس ونابلس وجنين..وكيف انه لابد من العودة لقرانا
وأرضنا مهما كلفنا ذلك من تضحيات لنزرع أرضنا ونبني الوطن ...فكان كل ذلك مزيجا من
التربية الداخلية في نفسه :التربية الفلاحية ،الدينية ،الشهامة ،والوجاهة،
والمخترة،والكثير من الثقافة الشعبية السياسية...وهذا ما كان يدهشني حقا !وهو
الأمي!
لعله باختصار في هذا المحيط وتلك العوالم بدا تكوني ....
لكن
على ما اعتقد ،تكونّي الهام والحقيقي تم بعد انتقالي إلى الشام/دمشق ،حيث بدأت
علاقتي بالقراءة والكتاب اطل عليها من على بسطات "بوابة الصالحية "حيث اشتري الكتب
،للمطالعة ،ومتابعة دراستي ، وخلال فترة قصيرة كنت قد قرأت الكثير ،كما تنقلت من
المنفلوطي والشرقاوي وعبدا لرحمن الخميسي ،ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم كما المتنبي
وأبي العلاء المعري وبشار بن برد وكذلك الأعمال المترجمة لكبار الكتاب سار تر
،وكولن ولسون،وألبير كامو ، وروجيه غارودي ومكسيم غوركي ،تشيخوف
،وتولستوى،وباسترناك ....كما الروائي الأمريكي ارنست همنغواي...
وانخرطت في قراءة الشعر ،وقد حفظت منه الشئ الكثير ،وتوقفت عند السياب ،وخليل حاوي
، وابوسلمى ،وابراهيم طوقان ،ومحمود عبد الرحيم،والكثير الكثير من الإبداعات ، خاصة
"شعر المهجر":إيليا أبي ماضي ،وجبران خليل جبران ،وميخائيل نعيّمة وغيرهم..
وقد
كتبت الشعر مبكرا كما تابعت قراءتي للكتب المترجمة عن الآداب الروسية
والأوروبية،وأمريكا اللاتينية ،ما لبثت أن تدفقت علينا موجة "الوجودية"،وتابعنا
قراءة مجلة "الآداب"الببيروتية لمؤسسها الأديب الراحل سهيل إدريس،التي مازالت
مستمرة!!
ومجلة "الطليعة"اليسارية المصرية ويرئسها الكاتب لطفي الخولي وغيرهم ....
واندمجت في الحوارات الثقافية على الساحة الشامية ،والكتابة في الصحافة ،ومتابعة
النشاطات الثقافية ... وأذكر إنني حين قابلت الكاتب المصري/ المسرحي عبد الرحمن
الخميسي (رحمه الله)لأول مرة حدثته كيف بدأت قراءة أعماله خصوصا :"لن نموت"..وغيرها
؟!
*هل
حاولت الكتابة قبل تلك الفترة من القراءات...؟؟
طبعا ..طبعا فقد حاولت .وكتبت الشعر المنثور ،وأحيانا أغاني شعبية ،كما كتبت
للمسرح في وقت مبكر جدا أيضا ....
*هل
نشرت ما كتبت آنذاك؟؟
الحقيقة لم انشر الشعر أو غيره.وقد انتظرت وتريثت كثيرا قبل أن أنشر ،على الرغم من
أن زملائي كافة سبقوني في نشر أعمالهم ولكنني تمهلت أكثر لأكون نفسي ،وأعمق ذاتي
وقراءاتي ،وأعد نفسي للكتابة بشكل يرضيني ،رغم أنني نفذت بعض الأعمال للمسرح......
*
هل يفسر لنا ذلك ما نجده في بعض أعمالك الروائية من نسيج مسرحي أكثر منه روائي؟؟
حين أقلعت عن كتابة الشعر ،تعلقت بالمسرح ،كما أحببته، وكنت مشاهدا للمسرح بشكل
متواصل و"مدمن" في سوريا .حيث كان ثمة نهضة مسرحية مبكرة ،كما اهتممت كثيرا بمجلات
المسرح العربي والعالمي القادمة من العراق والقاهرة والكويت وبيروت.
ولكن الظروف لم تساعدني على دراسة المسرح . ومع ذلك شاركت في النشاطات المسرحية وقد
كنت غالبا ما أمثل ( فلسطين) خلال تلك المهرجانات المسرحية.
لقد
كتبت مسرحية لفرقة هواة في بلدة "جوبر" قرب دمشق ،فيما أذكر العام 1960..... عندما
كنت في الثامنة عشر من عمريكما قدمت لي فرقة (المسرح الوطني الفلسطيني)في العام
1970مسرحية "الحلم الفلسطيني" ولاقت شئ من الصدى الطيب آنذاك . وفيما بعد كتبت
مسرحيتي "الغريب والسلطان "التي قدمت على المسرح كثيرا في دمشق ومخيمات اللاجئين
الفلسطينيين حولها ،ولاقت اهتماما طيبا !!
القصة القصيرة فيها خلاصة فن النثر؟
*هل
يعني ذلك أنك بدأت كتابة الشعر/القصيدة والنص المسرحي،قبل القصة والرواية؟؟
الحقيقة إنني كتبت القصيدة المنثورة والموزونة والمباشرة كما الصاخبة الضاجة ولكن
كما يحدث عادة ،كنت ابحث عن نفسي وأدواتي الفنية،وبالضبط أين أكون أنا؟؟
إلى
أن بدأت أكتب القصة القصيرة ،وتمرنت عليها،وتعلمت الجملة القصيرة ،أللقطة القصيرة
،والقوية،المشحونة ،المعبرة بالتفاصيل ،والجزئيات والحوار المكثف....
توقفت أمام القصة القصيرة ،ورأيت فيها خلاصة فن النثر ..(...)
آنذاك عرفت بأنني سأكتب القصة بشكل حاسم مع بداية العام( 1964)،حيث أنني كنت قد
قطعت شوطا من البحث والإعداد لهذه المهمة الشاقة ؟؟ وقرأت باستمرار وبجدية متواصلة
وبشغف لإثراء وغنى ثقافتي ،ثم نشرت قصصي القصيرة الأولى على صفحات مجلة "ألآداب "
البيروتية منذ العام (1967) وقبل ذلك نشرت قصتين في صحيفة "الجهاد" التي كانت تصدر
في القدس....
*لحظة الكتابة لديك هل تخطط للفكرة أم أنها تتشكل خلال الكتابة ..سواء على مستوى
القصة ...أو الرواية؟؟؟؟
طوال عمري . أخطط لعملي الأدبيكما أتريث ،حتى على مستوى القصة القصيرة ،أفكر فيها
،أتمثلها في ذهني ،انشغل بها ،كما أعيشها ،وأقلب كل الاحتمالات فيها ،اسمع بحوارات
صغيرة ثم أدوّ نها في مفكرتي الخاصة ،وغالبا حينما أكتب لا أعود إلى تلك الأوراق
والمفكرة ،لأنني أعيش كل التفاصيل ومن كل الجوانب ،خاصة نقطة الدخول والبداية
للشروع بالعمل الكتابي أي الشرارة الأولى حيث أنها الأصعب !!
لذلك صرت أكتب قصصا بكثرة ،مرات أسعى أن أكون رمزيا ،ومرات وجوديا،ولكن في كل
كتاباتي لم يتغير هاجسي أو يتبدل : الغربة ،المنفى ،الاضطهاد ،الظلم، الموت،القمع
السلطوي بكل أشكا لهما البغيضة والبشعة!!؟؟ أي جوهر المأساة داخل الإنسان ،والعربي
الفلسطيني خاصة . ومع تطور وعيّي الذاتي والموضوعي ،وخبراتي الحياتية،وتجربتي
الاجتماعية ،صقلت كتاباتي....
*
هذا ما قصدته بدقة من سؤالي أنفا: لحظة أن تبدأ بالكتابة كيف تأتيك ...؟؟؟؟
أستطيع
القول إن نقطة الشروع بالعمل الكتابي تهمني كثيرا ،وتشغلني أكثر، خاصة وان الخاتمة
لديّ تكون واضحة المعالم في ذهني،والحوارات يمكن أن يكون جزء منها في ذهني ،ولكن
البداية تمنحني الدقةوأبعادا تلقائية للدخول في بدء لحظة الكتابة..
*هل
كنت تنشغل أو تفكر وتحلم بما ستكون عليه مستقبلا حين بدأت الكتابة...؟؟؟
بصراحة ارتبط بذهني دائما هذا الهاجس،فاعتقد إنني ككاتب يجب أن أوثر في تفكير
قرائي ( بشكل أو آخر) الذين اكتب إليهم ..(...)،والذين أتوجه إليهم...(...) ،
وبصراحة أيضا إن كل كاتب لا يفكر بغير ذلك اعتقد انه كاتب "أي كلام"!!(...)
أحيانا لا استطيع أن أكتب كل ما أريده!!
·
الترحال المتواصل ،والمنفى ،كما عدم الاستقرار الإنساني ، هل آثر ذلك في مسألة
كيفية معالجتك للنص الروائي ؟؟
بكل تأكيد ،لقد آثر بشكل كبير ،وشاق،حيث لا أستطيع مثلا أن أحتفظ بمكتبتي الخاصة
التي أريد!! ففي كل بلد أو عاصمة أرحل أليها أترك فيها كتبي و"أرشيفي" حين مغادرتي
إياها، حيث من الصعب أن أحملها معي؟!!
الآن في تونس لدي مكتبة ( وقت إجراء الحوار آب/أغسطس1989)،في حين تركت في دمشق
مكتبة العمر كله،وقبلها مكتبة كبيرة في بيروت" زرتني أكثر من مرة وتناولنا معا
فطوري المقدس الزيت و الزعتر في حضرتها " قبل الرحيل عنها العام( 1982)،إضافة
لمكتبتي في عمان/الأردن العام (1971)بعد مجزرة أيلول وخروج المقاومة منها؟؟!!وقبلها
تركت مكتبتي الأولى في (أريحا)!!
فقط
موضوع المكتبة الخاصة بي ،لقراءاتي ،ومطالعاتي وبناء ثقافتي الخاصة بي وأعمالي ،ولا
أريد الحديث عن قيمتها المادية التي كنت انفق عليها الجزء الأكبر من دخلي وما تحصلت
عليه في حياتي بعد جهد وتعب لا احسد عليه !!
ولكن ككل كاتب عامة وفلسطيني خاصة يعيش في المنافي والترحال المستمر قد ّ اشتري
الكتاب ثلاثة أو أربع مرات ، وبالمناسبةتركت كتب لي في قبرص، وطرابلس/ليبيا
،والجزائر ،واليمن ، وغيراهما من البلاد والعواصم التي عشت فيها بعض
الوقت.....؟؟!!!
ذلك
الشئ بصراحة أجده غير معقولا على الإطلاق ،وغريب جدا !! ولربما يحدث ذلك مع زملائي
الآخرين منالكتاب أيضا؟!!أما إجابتي على الشق الثاني من السؤال :
في
حين يمكن للشاعر أن يتغلب على هذه المعضلة من المسألة، لأنه لا يحتاج إلي"أرشيف"
،ومراجع أو ما شابه ذلك ...إلا أن الكاتب الروائي يحتاج إلى "أرشيف" (محفوظات) خاصة
بأعماله .
وشخصيا حين أبدأ في كتابة رواية احتاج ل"أرشيف"(مخطوطات ومحفوظات)،حيث لابد أن اعد
للعمل بدقة :معلومات ،وأبحاث، ودراسات ،ومراجع تاريخية ومصادر أدبية وفنية
ودينية....وغيراهما ، لإنجاز النص بشكل يليق به ، على الرغم من كل المنغصات
المحيطة؟؟!!
نتيجة لذلك ،فأنني بصراحة ،أحيانا لا أستطيع أن اكتب كل ما أريده !!؟ وبشكل واضح
ودقيق ، لأنني أكون أحيانا في مواقع وعواصم أو بلاد ليست حنونة!!
*هذه المعاناة الحقيقة فعلا لتجربة إنسانية(نعاني منها جميعا)،لماذا لأنجدها بارزة
مثلا في عمل من أعمالك ؟؟؟
لقد
تطرقت إلى ذلك ،في رواية " ااه يا بيروت "، وكانت واضحة تماما، حيث المكتبة وما
تحتويه ؟ ولحظة الرحيل عن بيروت بعد حصار ها واحد وثمانون يوما،وتخيلت كيف سيدخل
إليها جندي صهيوني ،ليجد هذا الكم الهائل من الكتب العربية ثم يطلق عليها الرصاص
كما فعل كل الغزاة عبر التاريخ!!!
وكما حدث معي ،حين كتابة روايتي ما بعد مغادرة بيروت "الرب لم يسترح في اليوم
السابع " حيث تنقلت وإياها من دمشق إلي بودبست /المجر ،والى موسكو ،ثم إلى عدن ،أي
إنني تنقلت كما ترى في ثلاث قارات !!
ويحدث أحيانا أن أبدأ قصة في تونس ،وانهيها في النمسا أو الجزائر؟؟!!
الذي يريد الشهرة على حساب الإبداع !ذلك شأنه؟!
*في
تلك الحالات وفي غياب أل "أرشيف" الخاص أو المكتبة الخاصة؟ كيف يمكنك أن تهيئ
المناخ الملائم لكتابة نصك الروائي أكثر دقة ووضوحا ؟؟؟!
الحقيقة إنني اكتب دائما في مفكرات صغيرة خاصة ،احتفظ بها ،حيث أسجل فيها
الانطباعات ،والملاحظات ،والخواطر ،والأفكار التي تشغلني وتأتيني كما تتداعى في
مخيلتي وذهني حول فكرة معينة مثلا ،أو شكل حوار أو قصة ....
وعندما أبدأ في كتابة النص ،والشروع في التنفيذ يكون قد اكتمل لديّ أرشيف معقول من
المعلومات ،تمكنّي من إنجاز خطة العمل ،في حال نص روائي ....
لذلك وبناء عما سبق ،لست أثق بالإحكام والوصايا والتعاليم والنصائح التي ( تدلك
)إلى كيف تكتب رواية ناجحة ؟؟!! وذلك لأمر في غاية البساطة ،وهو إن الذين يكتبون
الكتبالنصائحية ؟؟! ويدبجون المقالات التعليمية لم يقدموا لقرائهم روايات ناجحة
معترف بها!! لهذا لا ارتاح لتوجيه النصائح.
ولكنني اعتقد وأقول بالجدية والمسئولية ، والذي يريد الشهرة على حساب الإبداع !!ذلك
شأنه!! أما الذي يقدم رؤية للحياة فيحتاج للجدية والمسؤولية ،للصلابة والتضحية
أيضا.فالحياة موقف و((وقفة عز ))وقبل كل شئ الموهبة ،والمواظبة والدأب المتواصل...
*هل
تفكرون بالقارئ حين الشروع في كتابة النص ...؟؟
أسعى
دائما لإعادة النظر في حياتنا وفي عملية الحوار الداخلي ،حيث كنت دائما أريد أن
اخلق حوارا بيني والقارئ لنصل معا من خلال التأمل إلى رؤية لفلسطين الشعب،والقضية
،والتراث ،ولم أحاول اللجوء إلى الشعار المستهلك والجاهز ،وقد استفدت كثيرا من
الوقائع المعاشة ،والحكايات على لسان العاديين من الناس ،لأقدم عبرها ما أريد.
*خلال حديثنا ،ذكرت بأنك حينما فرغت من قراءة "مجدولين" بكيت بحرقة ؟ هل تعتقد إن
فقدانك للاّم وحنانها قد دفعتك إلى توجه أو نوع محدد من الكتابة...؟؟
بكل
تأكيد . لو قرأ المرء روايتي "العشاق" بانتباه،سيجدإنني قدمت الأمهات بما يليق بهن،
أما الآباء فقد كانوا غائبين؟! ربما تفسر المعادلة إن الأم :هي فلسطين وما شابه كما
يقول النقاد؟!! ولكن تجدني قدمت الأمهات ،وأنا ليس لديّ أم !! وغاب الأب (في العمل
الأدبي ) ،على الرغم من أنه موجود في الحياة !!ولكنني قدمته بشكل فاضل وشامل أيضا .
أما شخصية الأم لديّ فقد كانت فيها دائما نوع من العلاقة النفسية والعاطفية
والاجتماعية الجميلة والمغدقة !! حتى إن علاقتي بأمهات بعض أصدقائي كنت أشعر وإياهن
بنوع من التعويض عن حنان الآم المفقود ،في تعامل تلك الأمهات معي ،لأنه كان شيئا
مدهشا ومذهلاوغير معقول ؟؟!! خصوصا وتعرف إن المرآة الفلاحة والشعبية مغدقة في
العواطف بشكل حنوّن وأخاذ من الصعب على المرء تعويضه..... .
*لذلك نجد في أعمالك الروائية والقصصية ،حتى على مستوى مقالك السياسي أيضا .أنكم
تهتمون كثيرا بالتفاصيل ،خصوصا فيا يتعلق بالمخيم وناسه العاديين،الذين نفتقدهم في
كثير من الأعمال الأدبية التي تتطرق للموضوع الفلسطيني!!
إلى أي مدى كان تأثير المخيم عليك ككاتب وفي أعمالك ؟؟وهل لديك مفهوم مكثف حوله؟
المخيم هو:الناس ،العلاقات ،والسلوك الجماعي في مواجهة النفي وسياسة التجويع
المسلطة ،وبالتالي محاولات التدمير الممنهجة من الأعداء الكثر للأسف؟؟!!وهو كذلك
القوة الداخلية لإنسان المخيم ،سواء في الشتات والمنافي ،أو داخل الوطن الفلسطيني
المحتل ،التي تحققت من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد ،وكل ما هو جميل ،حتى
اللهجات للقرى والمدن الفلسطينية ،التي مازال يتحدث بها الأجداد والآبا ء كما
الأبناء !!!!
وكذلك أيضا: القيم والمثل الآن في داخل الوطن المحتل التي نتابعها ونسمعها في خضم
الانتفاضات المتواصلة لمواجهة همجية الاحتلال الصهيوني،وهي نفس القيم التي كانت قي
المخيم مثلا:
أحدهم تمزقت خيمته وطارت ،أو سقف بيته !! تجد كل الجيران وأهل المخيم "فزعوا"معه
وهبوا لنجدته؟؟!! فهذا الوعي الجماعي الداخلي لهؤلاء الناس البسطاء في المخيم
كان يقول : إذا جرى أي تهاون لأي إنسان منا ،فإننا جميعا سنضيع ونتلاشى !! لذلك كان
الحفاظ على آي شخص هو الحفاظ على الذات،وبالتالي الجماعة والجموع.
- عفوا" مقاطعا":(
كثيرا ما رددت ذلك وباستمرار في كل لفاءاتي والروائي أفنان القاسم)بباريس حيث نقيم؟
تلك
المسائل كنت ومازلت دائما انتبه إليها بدقة ،كما كنت دائما اعمل على تطوير معرفتي
بحياة الناس في المخيم .خاصة وإنني عشت جزء هام من حياتي في المخيمات داخل الوطن
والشتات:
"الدهيشة" في ضواحي مدينة بيت لحم ،و"النويعمة " أريحا ،"اليرموك" ضواحي دمشق
،"الوحدات "و"البقعة" بالأردن ،و"صبرا وشاتيلا" بضاحية بيروت !!
لذلك تجدني لا أتحدث عن المخيمات برومانسية أو شاعرية ،أو إنني أحب المخيم أو حياة
المخيم ...كمخيم؟؟!!ولكنني أحب كما أعتز بناس المخيم الذين ينتمون إلى
فلسطيننا،ويحافظون عليها، على الرغم من البؤس والمعاناة ،والقهر اليومي
،المتواصل،جنبا إلى جنب والموت اليومي ،والمجازر البشعة المستمرة ضدهم (حصار
بيروت ومذبحة صبرا وشاتيلا وتل الزعتر )؟؟!!
ربما تجد فرقا بين من يتحدث ويكتب عن المخيم برومانسية العواطف من مكاتب مرفهة
ومكيفة أو لم يزوره يوما ولا اطلع على حقيقة المعاناة وهنا الطامة الكبرى ،ومن يكتب
ويتحدث عن صلابة المخيم ،وجبروته في مواجهة حرب الابادة المتواصلة ضده؟؟!!
هذه
الانتفاضات المتواصلة في الوطن المحتل ،لربما كانت شرارتها الأولى قد بدأت في "تل
الزعتر "و"اليرموك"أو "الوحدات" و"صبرا وشاتيلا" و"بلاطة"أو "جنين" وليست في
"جباليا" فقط؟؟ وقد تكون بدأت قي "الدهيشة"في الخمسينات حينما خرجنا نتظاهر ونحرق
خيام المخيم احتجاجا على الخيمة نفسها ،كرمز قاهر لاقتلاعنا ونفينا من وطننا؟؟!!
أما
الإجابة على الشق الثاني من سؤلك ، وتوقفك عند مسألة التفاصيل والجزئيات،هناك من
يتحدث ويكتب عن حياتنا الفلسطينية وكأنه يصفها بطريقة ملساء ؟؟!!خارجية ،إنشائية ،
ليست فيها خصوصيات الأشخاص وتفاصيل الحياة اليومية الغنية وعما يدور بدوا خل هذه
الحياة ، وما يمور فيها من التراث الكوني الرهيب المدهش في حياتنا؟؟
الأمر الذي يجعلني أسف كثيرا عندما أقرأ كهذي أعمال ؟؟ لدرجة تصل إلى أنني اتالم
جدا!! لان المسألة ليست وصف خارجي فج؟؟؟!! بل اعتقد أننا حين نود الكتابة عن المخيم
لا نرسم منظرا طبيعيا بل نحاول أن نقدم حياة الشعب من عمق أعماقه الذي هو مجموعة
التقاليد والعادات واللهجات والثقافات التراثية في الوعي الشعبي لأبناء القرى
والمدن الفلسطينية، التي تجمعت في مكان واحد ألا وهو المخيم الذي نكتب عنه ومنه ؟؟
ولا
أبالغ حين أعترف إن أخطر ما قرأت عن روايتي " العشاق" ما كتبه الشاعر السوري
المعروف/ ممدوح عدوان ( رحل بعد سنين من الحوار) بعد أن قرأ الرواية، ورغم انه تغزل
في المدخل الروائي ( حول أريحا) لكنه قال ما يلي :
"أنا الآن مذهولا لان مخيم اليرموك الفلسطيني على بعد خطوات قليلة من دمشق، ولكننا
لا نعرف عنه أي شئ؟!!لقد قال لنا هذا الكاتب : أنتم لا تعرفون أي شئ عن حياة
الفلسطيني!!!؟؟"
*دون شك ، لان القارئ يشعر في أعمالك أن الشخصية داخلها وكأنها من لحم ودم حقيقي
وموجودة بيننا فعلا فهي تصرخ وتتألم وتبكي وتنهار كما تفرح؟بناء على هذه التفاصيل
المفعمة بالشعر أو الشاعرية أحيانا ، إلي أي مدى استطعت تطوير الشخصية ، خصوصا في
رواية "العشاق"، وهل واجهتك صعوبات في ذلك؟؟ وكيف؟
·
لقد واجهتني فعلا صعوبات كبيرة !على الصعيد ( التقني- الفني)كان أمامي همّ ضخم جدا
اسمه:التعامل مع ما أريد طرحة بمستويات مختلفة من اللغة . وبصراحة إنني قصدت من
مدخل الرواية – كنشيد أمام أسوار مدينة أريحا ، تاريخها العظيم والمجيد كما ناسها ،
لذلك فالنشيد النثري النفسي الإنساني الحضاري حافظ على اللغة فيها بمهابة ، في حين
كتبت عن الحياة الراهنة بلغة واقعية – أو كما تفضلت وقلت –المفعمة بالشعر – كانت
ثمة عدة مستويات تقنية في التعامل مع اللغة ، أما الجانب الأخر الذي توقفت أمامه
على الرغم من إنني عشت في أريحا ، وأعرف الجغرافيا المحيطة بها إلا أنني عدت وقرأت
الكثير عن تاريخ المدينة ، حتى أستطيع أن أكتب بشكل أفضل لتطوير الشخصيات داخل عملي
الروائي.....
*ولكن يجد المرء أنك قدمت مدينة أريحا كما تحولت من واقع مادي وتاريخي وتراثي إلي
صورة شعرية مكثفة ، هل كنت قاصدا عن عمد تقديمها بهذه الصورة والنموذج؟؟؟
·
الحقيقة إنني تحدثت عن كل شئ ، ففي أريحا بعض الشاعرية ولا أحدثك هنا من قبيل
الرومانسية : كنت أسير في أيام الشتاء خارج المخيم ومدينة أريحا ، ترى الغيوم وندف
من المطر ،الشمس ترسل خيوطها عبر الغيوم الملبدة ! رائحة الفواكه والبساتين
والطبيعة تملا صدرك بالهواء العليل ،الطقس دافئ ومفرح ويهيج في نفس الوقت الذي تسير
فيه بقميص نصف أكمام؟؟!!
لذلك حين شرعت أعد لروايتي " العشاق" التي أنجزتها في ثلاث سنوات ، فكرت فيها وأنا
في أريحا ولكن هزيمة حزيران 1967هدمت أشياء كثيرة ، وعدلت من خطة كتابتي بعد النكسة
المهزلة؟؟
حيث
بدأت في الانشغال بفكرة كتابة رواية بطلها الناس والمدينة أي رواية بلا بطل وبلا
بطولة فردية ؟لقد كتبت عن واقع معاش ملموس ومشاهد، فليس ثمة اختراع أو تصنع أو
افتعال ، ولكن دور الكاتب ماذا يكتب؟؟ وماذا يشاهد؟وماذا يريد؟؟وما هو دوره كفنان؟؟
لذا بدت اللغة شاعرية – ملحمية الوصف في مدخل الرواية ، الجذور ، الأسوار ، اللغة
القديمة ، الحروب الرهيبة ، تحت شمس أريحا وبين بياراتها وبساتينها ، وفي ذكرى
حروبها التاريخية وبين ناسها الذين انتصروا على الغربة ، والجوع ، والأفاعي ، و"
أبناء الأفاعي"؟؟؟!!
لذلك ففي " العشاق" وضعت لها خطة ، تماما كما يفعل المهندس ،لقد ابتهجت كثيرا ،
وتعبت تعبا مبهجا وأنا اكتب " العشاق"، عندما انتهيت منها ، قلت لزوجتي سأحتاج لسبع
سنوات حتى أكتب رواية جديدة وهذا ما حصل ،تقريبا....
*
يلمس القارئ لروايتك الأولى" أيام الحب والموت" وكأنها حكايات واقعية فعلا على لسان
حال الناس العاديين على شكل قصة أو رواية ولكن لم تكتمل داخل النص الروائي أو بمعنى
أخر نجدها مخطط لرواية ولكنه لم يكتمل ؟؟؟
·
لذلك بصراحة إنني أعد منذ سنوات لعمل روائي كبير – وان شاء الله- أقطع الجزء الأول
منه خلال العام 1990،(سفر العاشق )أما انطباعك عن وقائع وأحداث الرواية إن هي
واقعية ؟ فيمكنني أن أكشف لك الآن ، فأقول وبصراحة : إن هذا وذاكصحيح فعلا؟؟ وإنني
كنت بامكاني أن أقدم ذلك العمل بصورة أشمل وأوسع وأعمق وهذا صحيح أيضا؟؟
*"
الشخوص أو الشخصيات " في أعمالك " الرب لم يسترح في اليوم السابع" الأخيرة كما في
"العشاق"مثلا ، نجد أحيانا الشخصية المنمذجة تتعادل وتتمثل في معادلتها الشخصية
المنعزلة ، فالأولي تبادر وتقوم بالفعل وفي نفس السياق تتماشى مع الثانية الأخرى
التي ليس لها أي دور؟؟كيف تفسر لنا المفارقة؟؟
·
نحن كمجتمع إنساني، مجتمع فبل كل شئ، فألان مثلا أمامي الصحيفة وعليها صورة شخص
عميل وخائن لشعبه ويحمل رشاش "عوزي – إسرائيلي" ولديه الاستعداد لإطلاق الرصاص ضد
شعبه؟؟؟!
بالنسبة لي أجده طبيعيا ولا يزعجني جدا على العكس نظرت للصورة بنوع من السخرية بل
ما دونها !!أما إذا كان الصهاينة فرحين به ، فأنهم يكشفون لنا عن مدي الخوف، الذي
يسيطر عليهم وجهلهم لحظة المواجهة....
أما
أن ثمة شخصيات سلبية تصاب باليأس في لحظة من لحظات الضعف المركب والمعقد – المبرر –
وهذا شئ طبيعي وواقعي، كمن يريد أن يعتني بأولاده وأسرته الذي أهملهم مثلا.....
الحقيقة ثمة من يعطي ويضحي ويقدم ، ولكن لا ما يستطيع ، بل ما يرغب أن يعطيه؟؟ ومع
ذلك ثمة نماذج حية يحتذي بها فعلا ، حيث التجار مثلا يقومون بالإضراب ويقدموا
التبرعات ويخوضون فاعليتهم مع أبناء شعبهم في مواجهة حراب الاحتلال الصهيوني، لذلك
وبصراحة لا أكتب "حكايات " مجردة لا أكتب للتسلية، وان كنت غير مقتنع بمسألة "
العمق " المفتعل التي يدّعيها " مجددون" يطعمون القارئ صخرا وخشبا ، ويسوقون إليه
كلاما فارغا في الفهم الشرقي للحكاية؟؟؟!!
*
إنني قصدت من سؤالي بمعني أخر : إن القارئ يجد لديكم بعض الشخوص المنهارة اليائسة ،
التي تحاول أن تنمذجها بشكل أو أخر ، هل سعيت من وراء ذلك دفع القارئ لطرح الأسئلة؟
دعتي أقص عليك حكاية والتي تتلخص بأن صديقي الشاعر الفلسطيني فواز عيد// وتعرفه//
المقيم بالحجاز، أخذ نسخة من روايتي " العشاق" وقدمها لصديق سعودي له، كاتب وصحافي
ومثقف وحامل لشهادة دكتوراه من الولايات المتحدة؟؟وقرأ الروايةأتعرف ما قاله للصديق
بعدها؟؟؟
قال: ( أنا ألان فهمت القضية الفلسطينية !! نحن كانت علاقتنا بها عاطفية ليس أكثر ،
ولم أك أعرف جوهر المشكلة وطبيعة المعاناة التي عاناها ويعانيها الإنسان الفلسطيني
العادي ....)!!!
إذا
كان هذا المواطن العربي ، وخاصة المثقف الذيعلى مقربة مني ولا يعرف إلا أنني لاجئ
فقط وطردت من بلدي بعد الحرب فقط؟؟؟!!
لذلك فانه إذا لم يقدم الأدب معرفة ، وإذا الرواية أو القصة لمتفجر الأسئلة في ذهن
القارئ بالإضافة إلى المتعة والجمالية الأدبية . في رأي يصبح الأدب كتابة تسالي
وتسلية رخيصة!! أو ميلودراما مفتعلة تستدر دموع الآخرين !!
*
ولكنك قدمت في أعمالك نوع من " الكوميديا المسلية والساخرة المحرضة حيث لا يضحك
القارئ إلا بعد أن تلقي في وعيه أو لا وعيه سهم نقدي لاذع جارح فنلمس المأساوي
المختبئ وراء هذا الوجه الملهوي؟؟؟
دعنا نأخذ مثلا ، على صعيد علاقتنا حيث نعرف بعضنا البعض وبيننا صداقة منذ سنوات
بعيدة في بيروت ، وتعرف إنني في الحياة اليومية أبدو مرحا وفكها وساخرا
متهكما...إلي أخره..
بعض
الكتاب والنقاد كانوا يتساءلون وقد كتبوا ذلك مرارا : أنهم لا يفهمون هذه السخرية
وهذا المرح داخل العمل القصصي والروائي ل "أبو شاور"؟؟؟
في
حين بعض الكتاب يوم أن كتبت ونشرت قصة اسمها " الرعب " ، وعلى ما أذكر الأستاذ مازن
البندك رئيس تحرير مجلته "الجيل" اهتم بها بشكل غير عادي ، في حين أعتقد أن هذا
النوع من الكتابة أعنيالكوميديا السوداءينقصنا في الأدب العربي .....فيما بعد نشرت
قصة بعنوان " الحكاية الحقيقية عن الولد الذي رفض أن ..." وقد نشرت في مجلة
"اللوتس"و "الوحدة" و" الهدف"؟؟كما أن أحد الكتاب في الكويت كتب مقالا عن القصة
فقال: " وأخيرا الكاتب الساخر كتب قصته الساخرة " !!
الحقيقة يمكن أن أكتب ما يجعل القارئ أن يستلقي على قفاه من الضحك ،-- كما يقولون
--ولكن يمكن أن اكتب عما يدوم وليس ما يجعله أن يتسلى ، معتمدا على الفكاهة أو خفة
الدم الأدبي ؟؟
فمثلا شيخنا الروائي ( الراحل )إميل حبيبي في روايته " المتشائل" ممكن جعلك أن تضحك
! ولكنه فجأة يصدمك ...ويصدمك بحرقة !!!
الحقيقة إنالماسأة الفلسطينية بكل تفاصيلها وأبعادها، وكما ترى هناك جانب من
المسخرة السوداوية ، من أغرب ما يكون ، وغير معقولة وسريالية وكل ما يمكن أن يقال
في ذلك؟؟
أذن
كيف يمكن لك / ككاتب أن تعبر عن كل ذلك بأكثر من سياق؟؟وكيف لا أكتبالكوميديا
السوداء المحرضة؟؟
كنت
أرى مثلا فلسطيني في مخيم بجنوب لبنان أو صبرا وشاتيلاوبرج البراجنة(( يسخ سخ))من
الضحك، حينما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف مخيمه، لأنه يعرف أن ليس ثمة ما
سيفقده سوى الخوف أو انه سيفقد أسرته وأطفاله تحت أنقاض كوخة ألصفيحي أو
الخشبي؟؟؟!! في حين تجد آخر يصاب بالهستيريا من الخوف والذعر لدرجة يمكنه من ترك
أطفاله وأسرته بالمنزل ويهرب خوفا من الموت ، لحظة القصف؟؟
*أحد النقاد(ف. دراج)قال في أعمالك
Lإن
ابوشاور لا يكتب عن الأحلام الكبيرة الآ بعد أن يكتب عن كل الو حول والقذارة التي
تحاول أن تحتجب وراء شعارات السياسيينالمخادعة والمضللة والمجردة...)؟؟؟
إنني فهمت الإيحاءجيدا.
·
أقصد من سؤاليأنك تحاول التركيز على جانب محدد من الواقع الفلسطيني، كما البحث عن
تحديدات نمطية ، تشخص وتبحث وسط هذه الفوضى السائدة ، عن تحديد مفهوم العلاقة لدى
الفلسطيني المنفي مع العالم، وبذلك تطرح مفهوما ...أو رؤية؟؟ خاصة والوضع الفلسطيني
ليس لديه الرؤية الواضحة والسياسي فقد البوصلة ؟
إذا
فهمت السؤال بشكل جيد أجيب: في كل حركات الشعوب دائما عبر كل العصور ، كما الراهن
ثمة دائما ما هو مأساوي ، وأحيانا ما هو مخزي؟؟؟وخطايا كبرى !!قلقي الدائم في جانب
من الجوانب ، ليس فقط من عدونا الصهيوني ولا أقلل من همجيته وشراسته وانحطاطه، ولكن
من الخراب الداخلي في الساحة الفلسطينية ، الذي يمكن أن يغزونا بأشكال عديدة
ويربكنا، ويشتت كل جهودنا ،ويضعف من قوانا في مواجهة العدو ؟الآمر الذي يتسبب في
الإعاقة والتعطيل ومضاعفة آلامنا ومعاناة شعبنا ، والذي يمكن أن يعقد من "رحلة
ألألف ميل " المتواصلة والشجاعة لتحرير الوطن؟؟!!
بكل
صراحة لديّ هاجس دائم أن يكون الوعي والفكر الإبداعي في ساحتنا الفلسطينية حاضرا
وماثلا ، وان لا تتشكل في الخطاب السياسي فقط لمواجهة الهجمة العدائية التي يشنها
ضدنا الجميع على كل الجبهات والأصعدة ؟؟
*
إنني قصدت ، انك فتحت الممر لوسائل تعبيرية في محاولة للتجريب وتكسير المألوف
والسائد على الأقل في الساحة الفلسطينية وبالتالي التطرق إلي ما يدور من الكلام غير
المباح مابين العامة والخاصة ؟
حينما كتبت روايتي" البكاء على صدر الحبيب" بعد الخروج من الأردن العام 1971، لم يك
واردا كشف أو مناقشة وطرح أي شئ في تلك المرحلة ،وبالتالي لم يكن واردا أن يحكى
المرء أي كلمة أو كشف أي تقصير حدث ، ومع ذلك قدمت روايتي بالرغم من إنني كنت اعرف
النتائج مسبقا ، وحدث كما توقعت ، حيث أثارت الرواية آنذاك ضجة كبيرة مفتعلة ، وكتب
عنها بتحريض متعمد وإساءة مقصودة ، ونشرت صحيفة " المحرر"أوقفت فيما بعد // صورتي
وقد طلي وجهي باللون الأسود، وزفت نبأ إحراق الرواية وإلقاء القبض على الروائي
((المعادي للثورة الفلسطينية))!!ولكن لم يجرؤا على ذكر ما كشفته؟ على الرغم أن
روايتي في جوهرها رواية عذاب جيل كامل خاض الثورة بشجاعة بعد إطلاقها ودفع غاليا،
ثم رأى الثورة / الأحلام بالعودة والتحرير، في خطر والمسيرة انحرفت عن اتجاهها
الصحيح،بعد أن تسلق الجبناء واللصوص لقطف ثمارها ((والشواهد ماثلة أمامنا من التفوا
على الانتفاضة بقنوات سرية مع العدو- 1989)فكانت وقائعها مكثفة مشحونة ، مليئة
بالحزن والقهر والمعاناة ، إنها على نحو ما : زرقاء اليمامة؟؟
آنذاك اضطررت لمغادرة بيروت لصد الحملة الجاهلة ، وعدت مع أسرتي إلي مخيم "
اليرموك"بدمشق؟ وقد عشت فترة عصيبة ومعقدة ورهيبة من حياتي ، مما دفعني
للعودةلمشروع كتابة روايتي"العشاق"، ولقد ابتهجت كثيرا بانشغالي بها!!
·
هذا
ما أردت أن تكشفه ، حيث أن القارئ يجد حيزا هاما لمفهوم القمع السلطوي، بحيث تتوازى
وتتطابق مع فقدان الحرية والتعبير عن الرأي الحر ، كما سيطرة القمع حتى في إطار
الوسط الثقافي المرتبط بدهاليزها؟؟
·
إنني أخوض المعترك ضمن هذا الإطار منذ صدور روايتي " البكاء على صدر الحبيب"، لأنني
كنت ومازلت على الدوام أقف بحزم ضد كل ما يكبح إبداع الإنسان وما يعيق تطوير الفكر
الإبداعي الحر ّفي حياتنا الفلسطينية، ودعم كل ما هو إنساني ونبيل في ساحة الثقافة
؟
ليس
صدفة أن الرموز السافلة قد استدارت على ثورة الشعب الفلسطيني، واتخذت الموقف
المعادي والنقيض، لخدمة النظام العربي ، وعلى سبيل المثال لا الحصر "أبو الزعيم"
الذي تواطأ باختطاف المعارض الحجازي ناصر السعيد ، وكان يعمل على تصفية واغتيال بعض
المناضلين الفلسطينيين،ويلاحقهم وكان يبيع ويهرب المخدرات والأسلحة والأغذية
الفاسدة عبر المرافئ غير الشرعية من جنوب لبنان إلي كولومبيا وأوروبا؟؟
لدرجة أن قادة الجيش الصهيوني حينما احتلوا بيروت بالمفاوضاتبصحبة ابورغال وليس
بالقتال؟قاموا بتصوير شقته الفاخرة والفخمة ، ليعرضوا الفيلم على معتقلي وأسرى
شعبنا في المعتقلات الصهيونية، وفي " معتقل أنصار" بالجنوب اللبناني قبل تفكيكه؟
(( ليقولوا لهم : انظروا كيف تعيش قيادتكم..!!)) فقدموا لهم مثلا: كيف كان لدى أبو
الزعيم ثلاجة ضخمة يضع فيها السيجار الكوبي فقط !!من الماركة الفاخرة جدا "هافانا"؟
من هنا ليس صدفة انه استدار وذهب لينصب نفسه..ق.. وزعيما بقرار نظام عربي وتحت
حمايته ، إلا أن نهايته كانت "مسخرة "وبشكل مهين ،تليق به؟ وبأمثاله؟وأغلقت
مجلته؟ثم انتقل إلي عاصمة عربية أخري؟
في حين كان في يوم من الأيام يعبر عن حالة قمع وقهر وإرهاب عفن؟؟
وبالنسبة لي ككاتب/ لم أصارعه وفضحه وتعرية سلوكه كشخص // آنذاك ببيروت ،ولكن
كتعبير عن حالة وموقف للخطايا والأخطاء بدرجة الخيانة التي كانت تقيم بيننا،فكان
لابد من تعريتها وكشفها بكل الوسائل المتاحة ،وهذا ما فعلته؟؟ في غابة البنادق
آنذاك؟وبالمناسبة لولا القمع المسيطر والدول الطائفية والعنصرية وكل ماهو إقليمي
بشع، هل كانت معركة وحصار بيروت لثلاث شهور1982 ((وكما حدث في حرب تموز2006 ضد حزب
الله ومحرقة غزة كانون الأول والثاني 2009 دون أدنى تحرك فاعل!!كما كانت الانتفاضة
الأولى تقاتل وحيدة بل جري الالتفاف عليها بصك ( أم المهازل في اوسلو) وتحويل
انتصارات الشعوب إلي هزائم))(
إضافة للكاتب بعد عشرين عاما)
في الجزء الثاني والأخير من الحوار سيكشف "أبو شاور" كل الآراء التي تؤخذ على الأدب
الفلسطيني ؟؟وماذا قال له الروائي الكبير حنا مينا ؟؟مذهولا ؟؟وتطرق للمحرمات في
الساحة الفلسطينية؟؟والحمل الفلسطيني الثقيل؟
* * * * * * * * * * * * * * * *
رشاد أبو شاور يصرخ بالصوت العالي:
اخرجوا أولاد ألافاعي من بيتنا ،بيت أبي،
بيت شعبنا الفلسطيني؟؟؟
اكمالا للحوار مع الروائي الفلسطيني الساخر رشاد
أبو شاور ، الذي نشر الجزء الاول منه ، سابقا، وقد قصدنا حوار المشافهة المباشرة
الذي لايجيده الكثيرين من الكتاب والشعراء العرب لهشاشة البعض عند المواجهة ، خاصة
عند التوقف أمام بعض المآخذ والانتقادات القاسية لاعمالهم، لذلك جاء حوارنا مع ((أبوشاور))
مباشرا وصريحا ،فكان أقرب للتعبير عن الكارثة
/المأساة- الملهاة الفلسطينية والصورة المختلف
حولها ، والتي تتعدد وتتناحر ألاراء حولها، في اللحظة الراهنة الي درجة الاقتتال
المشين بكل سفاهته، ،بعكس المكاتبة وان كانت عبر (العنكبوتية)التي تسمح للكاتب
بانتقاء كلماته بعناية بعد روّية، وامعان ، ومراجعة ، والاستعانة بالتأمل والوقت
لتفعيل الذاكرة ؟؟
وحيث ان حوار المشافهة يفترض حضور المفردات
والكلمات بعفوية والذاكرة الحاضرة بقوة في الوعي والاكثر رسوخا ، وبالتالي الافكار
الاكثر تبلورا ...،
ويكشف الحوار الكثير عن خبايا الساحة الفلسطينية ،
على الصعيد ، الثقافي والسياسي، كما يتوقف كثيرا عند بطولات الانسان العادي في
المخيم الفلسطيني، الذي صنع الاسطورة في مواجهة حروب الابادة المستمرة في كل
الساحات ،وبعد كل سقوط مدوي لرموز الفساد والمفسدين من القيادات الفاسدة التي تدير
الاحداث الجلل بعقلية عصابات المافيا على شاكلة آل غابوني في تصفية حساباتها
السياسية ، مع كل من يقف في طريق خرائط طرقها ؟؟ وهو كان الاكثر اطلاعا على دهاليز
القنوات السلطوية في رحلاته المارثونية من عمر الشتات الفلسطيني ؟؟
أما ماذا كشف عن خبايا سفينة الرحيل عن بيروت ، و"زينب"المقاتلة التي بحث عنها كل
الكتاب في العواصم ، وجاء جيرانه يبحثون عنها ليتعرفوا عليها في بيته بدمشق ؟ وكيف
كان ينام ابطال معارك بيروت على سطح الباخرة اليونانية ،في حين اولاد الافاعي
والهاربين من المعارك ،ينامون في كبائن مكيفة فاجرة ؟؟أما المسيح الفلسطيني في
رواية "العشاق" سيقذف بالحجر الذي نساه البناءون في وجوه الفاسدين المفسدين من
الارزال والسفهاء ليقول الحق الصارخ:
·
في رواية " العشاق" طرحت قضية اخرى ، وهي انها في جانب منها توحي بمحاربة "
الطائفية "التي ظهرت مع استمرار الحرب العبثية في لبنان آنذاك ، وحاولت ابراز وسائل
معالجتها بشكل أواخر..؟
·
الحقيقة فكرت في الجانب الاخر ..وهو التالي : ان الفلسطيني بكل صراحة لايتعامل
بعقدة مسلم ومسيحي، بل يعتبر أن المسيح (عليه السلام)هو تراث فلسطيني خاص به ، لذلك
المسيح ليس أوروبيا والفلسطيني أستورده بل ولد في بيت لحم ، وترعرع
في الناصرة ( أي من بلدنا ومن عندنا )وهو بالنهاية من تراثنا الروحي ،
واسلاميتي في فلسطين ، ليست غريبة على الياس ، وخضر وجورج بل على العكس تماما هذا
الامتلاء الروحي في فلسطين، يجب ان نعتز به ونفتخر به كنموذج حي على التسامح الديني
...
هل صدفة – كما ذكرت في بداية حديثنا السابق- ان يأخذوا أهلي الي الكنيسة في "بيت
لحم " ويوقفون الصلاة من أجل أن ينقذوا أجسادنا العارية ، هذا حدث ومازال يحدث
في فلسطين،كما ان الراهبة بملامحها وعينيها ودموعها مازالت في قلبي وروحي حين كانت
تطعمني البرغل والخبز وتفرك قدمي العاريتين بالمياه الساخنة كان من الممكن ان جاءوا
بأخر اسمه عيسى أو الياس ، فجاءت حصته الي المسجد وهكذا ..بالنسبة لي اعتزازي
بالاقصى والقيامة لاتقبل المناقشة على الاطلاق لانهما تراثي ومكوناتي الثقافية
والحضارية والروحية والنفسيةأيضا ، وهو الفهم الموضوعي والمنطقي للمسألةولا أي شئ
آخر .....
لست مع اللهجات العامية والمحكية
·
اللهجات المحكية والعامية الشعبية نجدها دائما في أعمالك قريبة من اللغة الفصحى،
بحيث لاتكسر السياق، وثمة من يطرح المسألة كقضية أدبية فنية بل وحتى سياسية ؟؟ هل
تجد في ذلك خدمة للنص والمضمون تحديدا ؟؟
·
انني مع اللغة الفصحى
، لان اللغة العربية هى احدى العوامل الاساسية لوحدة ألامة بل العامل الأول..صحيح
لجأت في بداياتي ألاولى مع "أيام الحب والموت"ولم أعد اليها الا في " حكايات الناس
والحجارة ".
بالنسبة لي يجب ان تبقى الفصحى حجر الزاوية التي نبني عليها مانشاء ،ولكن من أجل
بعض الخصوصية أو المحلية أونقل أجواء رسم الشخوص، حيث ان الكاتب أو القاص يقدم في
الحوار الداخلي للعمل مفردات فصيحة لكنها بسيطة ، ومن الممكن أن تلفظ ولاتكتب
بالعامية ومقنعة(بكسر النون)ان جاءت على لسان فلاح بسيط أو عامل أميّ ..
ولكنني أصارحك القول :انني لست مع اللهجات العامية والمحكية التي تطغي على الاعمال
الادبية ، والا أصبح الكاتب السوري ، والفلسطيني ،أو اللبناني والمصري ، يكتب
بالعامية فلايفهم عليه قراء المغرب العربي!! والعكس صحيح !!
هذه دعوات غربية واستشراقية تخريبية- يدرسونهافي جامعات اوروبا والغرب – لتشويه
الفصحى وبالتالي السعي لاندثارها لانهم يعرفون النتائج الخطيرة لدعواتهم المشبوهة –
كما حدث مع اللغة التركية وغيرها ؟؟؟
·
ولكننا نجد ثمة أعمال روائية وقصصية عربية مبنية أساسا على اللهجات المحلية نكاد أن
نلمسها في العديد من ألاقطار العربية ، وبشكل واسع ، هل يعني ذلك تراجع لغوي وثقافي
يتحمل مسؤوليته الكاتب ..؟؟؟؟
·
للاسف هذا صحيح .
ولكن مع ذلك ثمة أهم المبدعين العرب الذين لم يتطرقوا للعامية على الاطلاق....
المآخذ على الادب الفلسطيني ؟؟
·
ثمة آراء تأخذ على الادب الفلسطيني – الشعر الرواية ، صفته "النضالية" أو "المقاوم
". هل يعني ذلك ان الادب لابد له من وظيفة آنية يؤديها ، وبالتالي يفقد ابداعيته أو
أدبيته؟؟
·
هل يعني ان رواية " الحرب والسلام "- لليون تولستوي- ((حيث أنها ملحمة
المجتمع الروسي في مواجهة احتلال نابليون ، وتمجيد لعظمة الانسان الروسي العادي
الذي حارب غزو موسكو)) ، هي قصة حب وغرام انساني فقط !!؟؟؟ وهل
تولستوي وتورغونوف ودوستوفسكي وغوركي لم يميزهم نصهم ألابداعي ..؟؟رغم أنهم كتبوا
جميعا عن الروح الروسية ، أعتقد أن كل منهم كتب بطريقته الفذة ...والخاصة به ..؟؟
وهل يعني ما كتبه شيخ الرواية العربية نجيب محفوظ ويوسف ادريس وجمال الغيطاني وصنع
الله ابراهيم ويوسف القعيد ، وابراهيم آصلان ، هو نفس ما كتبه احسان عبد القدوس
وأنيس منصور ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم ؟؟ رغم أنهم جميعا كتبوا عن الروح
المصرية بطريقة مدهشة ؟؟!!
وبالمقابل من جانبنا أبو شاور ليس غسان كنفاني ، وغسان ليس جبرا ابراهيم جبرا ،
والاخير ليس أميل حبيبي ، وأفنان القاسم ليس يحيى يخلف ؟؟؟
ولكن ثمة بعض النقاد سواء عن استجهال أو جهل أو صفاقة يصّرون على تصنيف أدب
الموضوع الفلسطيني، كأدب " نضالي "!! وان كل كتابه نسخة واحدة او مثل
بعضهم البعض؟؟؟ والا هل صحيحا ان الشاعر سميح القاسم هو محمود درويش ، وعز الدين
المناصرة هو مريد البرغوتي او أحمد دحبور ..وكما لم يك في الاربعينات الشاعر أبو
سلمى هو الشاعر ابراهيم طوقان ، ولا كان عبد الرحيم محمود هو أبو سلمى ؟؟
ولكنني أعتقد انهم كتبوا جميعا عن فلسطين / الوطن ، والمأساة الا ان كل شاعر واديب
وكاتب له رؤيته ولغته وأدواته الفنية ، وثقافته وخلفيته الفكرية والنفسية أيضا ،
كما موهبته الخاصة؟؟ وأعتقد ان كل ذلك قد أضفناه الي الادب العربي بشكل أو آخر
كما أغناه وأثراه ؟؟
حصار بيروت وحرب طرواده؟
·
في نصك الروائي ((آه ..يابيروت ))وكذلك (( الرب لم يسترح في اليوم السابع))حول حصار
بيروت ،حيث البحر يعيد رحلة "حرب طروادة " الاغريقية،، وتسقطها على رحلة الحرب
الفلسطينية ، والرحيل المفجع، الي أي مدى استطعت مقاربة شفافية الرؤية رغم البعد
الفاصل" الزمكاني"، الكبير ، واختلاف الظروف؟؟؟؟
·
بصراحة . لاتتوقع أن أجيبك على السؤال ، ولكنني شخصيا من ينتظر من النقاد للاجابة
عليه؟ الا أنني سأجيبك بطريقة – يسميها البعض- ملتوية ولكنها في الحقيقة
ليست كذلك :
ذات يوم التقيت بالصدفة بالاستاذ الروائي الكبير
حنا مينا في دمشق
أمام الفندق الذي كان ينزل فيه الراحلين عن بيروت ، ومنهم من صنع السقوط ، بعد أن
آشار عليّ من بعيد ونادى ّوهو الوقور جدا والعصامي جدا ، الامر الذي أدهشني كما
أربكني بطريقته غير العادية ، وفجأة بادرني قائلا
L
(( ما الذي فعلته، وكتبته ؟؟)) بصراحة – وكما يقولون في بلادنا – (انخبعت)
اضافة لانني كنت مرهق جدا بعد الهموم الخاصة المروعة الطاحنة التي عصفت بنا بعد
الخروج والرحيل عن بيروت ، فظننت انني أقدمت على ما هو عمل سيئ لدرجة دفعته
لاستهوال الامر والخروج عن وقاره المعتاد ، (( تبلكمت يومها ، وتصببت
عرقا )) ، وهو الكاتب الروائي المتخصص في "البحر" قال لي بعد أن أخذنا أنفاسنا
L(أنت
كاتب شئ غير معقول ) وبدأ يسرد لي ويحكي عن النماذج والشخصيات : زينب ، وأبو منصور
، حارس الروح، الفتاة الفليبنية، وعمقها الانساني .
شعرت لحظتئذا ، وكأنني كنت قد قد سقطت في بئر وانتشلني منه . ثم قال معلقا بكلمة
جميلة جدا ، الا انها محزنة في نفس الوقت
L(أنتم
تكونواالشئ الذي بدأناه نحن ، جيلنا لم يحصل على امكانياته الحقيقية كي يتثقف ويطلع
جيدا ، لذلك فأنتم تضيفون شئ جدا كبير ))؟؟
·
في رواية "الرب لم يسترح..." حاولت استكشاف نمط جديد بالكتابة ، بالبحث عن أدوات
فنية جديدة للتعبير عنها لكسر السائد والمتداول، حين تطرقت لبعض "المحرمات السياسية
"في نظر السلطويين ، وتسمية الاشياء بأسمائها ، فنجد أسماء شخصيات فاسدة حقيقية،
ومازالت تتنطع بفسادها و"مسؤوليتها عن الفساد والفاسدين والمفسدين " ؟؟
·
بعض الاسماء فعلا لقلة قليلة من الفاسدين ، حتى انني لاأريد التوقف عندها ، لانني
بصراحة للا أسعى من وراء ذلك التشهير بها وانما أردت عن طريق النص القول بصوت عالي:
انه آن الآوان لهذه القلة أن تقيّم مواقفها وحساباتها المخزية الفاشلة ، قبل ان
تقدم على أي عمل ، وان مازلت أطالبها بالاختفاء والانصراف عن وجوهنا ، لأن قضية
ومأساة الشعب الفلسطيني ليست مستباحة لأي جاهل أو متسلق ولا أي انتهازي فاسد ،
يمكنه أن يثري على حساب عذابات ومأسي أهلنا و"ينفذ بريشه" ، وبينما أهلنا وشعبنا في
مخيمات الشتات والوطن المحتل يقدم قوافل الشهداء والاسرى والجرحى ، ويواجه المجازر
الصهيونازية البشعة المتواصلة بامكانيات معنوية متواضعة( الانتفاضات المتواصلة منذ
حزيران 67والمحرقة الاخيرة في غزة )؟ قياسا لجبروت الآلة العسكرية الصهيونية
الامريكية الهمجية البشعة ضده؟؟!!
وبصراحة هذا النوع من البشر أدعو للقسوة التامة
معهم وبلا شفقة تماما كما نعاقب الخائن والجاسوس الذي يتعاون مع العدو لانهما معا
بمثابةالسوس ..الذي ينخر في سفينة نوح الفلسطينية.!!
ما أردت قوله
، وذكرته في النص الروائي ،
فانني أعتبره جملة واحدة فقط في العمل الروائي ولاننسى أيضا اننا كنا على ظهر
سفينةملاحقة ومحاصرة بالاعداء في البحر والبر والجو ؟؟!!والانظمة العربية وشعوبها
المكبلة بالقمع والارهاب السلطوي يتفرجون علينا وعلى سفننا ، وكأنها تتفرج على
المسلسل الامريكي " دلاس "بكل صفاقة !!!؟؟ (كما حدث تماما أثناء حصار بيروت 82،
وحرب تموز 2006 ضد حزب الله ، ومحرقة غزة 2009) !!!
داخل السفينة (وفي النص) كان ثمة بيننا " أفاعي "
و" صراصير "و "سوس"الي جانب الابطال الذين صنعوا مجد بيروت وملحمة ناسها وصمودهم
الاسطوري لثلاثة شهور ؟؟!!
ثمة بيننا " أفاعي " و "صراصير "؟؟!!
لذلك داخل السفينة أصرخ بالصوت العالي وأقول
L(
اخرجوا أولاد الافاعي من بيتنا – بيت أبي ، بيت شعبنا و...،و....و....و.....
أما الشخصيات ، بصراحة لقد ركزت وتعمدت ان أطرح من خلالها البعد الانساني الكوني
للفلسطيني أيضا ، وليس صدفة أن زينب المثقفة والفدائية تعطي مسدسها للفتاة
الفلبينية على ظهر السفينة المبحرة وتقول لها
L(
هذا الطريق لحريتك ، وخلاصك ، أنت الفقيرة المعدمة)؟؟ وليس صدفة أن تحب الفلبينية
أبو منصور ويحبها ؟؟ولكنه في نفس الوقت نجده جبارا على جرحه وحبه معا حين كان جالسا
على خشب سطح السفينة طيلة الوقت بينما السفهاء والفاسدين الخرعين الهاربين من
المعركة ، احتكروا الكبائن الفاخرة لهم بكل صفاقة ؟ وعلى الرغم من ذلك لم يشكو ولم
يتذمر ، لانه كان يعرف لافائدة منهم ؟؟!!ولابد ان يواصل الطريق دونهم ولكنه يقول في
الرحلة :" ممكن ان نلتقي بمن نحب ، وممكن ان نفترق !!" أما رشيد الذي يحب زينب فقد
تعمدت أن يكون واقعيا الي حد جارح ، وطيلة الوقت وعلاقته معها تنموكما مع الاغنية
الشعبية الفلسطينية حيث ينشد :
لوّع الجماّل قلبي
لما نوى عا لرحيل
قلت يا جمال خذني
قال حملي ثقيل
قلت ياجمال بمشي
قال لي دربي طويل
آ آخ.... تنهد بحزن أبو شاور وتابع :
هذا الانسان الذي أردته ،حمله ثقيل ولكن دربه طويل ، لذلك يجب عليه أن يكون مزودا
بطاقة نفسية وفكرية ورؤية هائلة جدا ، كفلسطيني معني بمصيره الغامض والمجهول ، لان
ألاعداء كثيرون ، ولان الحمل عليه لا على "جمله"؟؟؟!!
وبصراحة في هذا النص "الرب لم يسترح ..." أردت أن أقدم فيها
التجربة الفلسطينية…… كما عايشتها لحظة بلحظة...
·
في هذه الحاله ، هل لابد من الكاتب أن يدفع الثمن ، ليبرر مايكتب ، وان كان على حق
؟؟؟
·
والله .اذا اضطررت لدفع الثمن ، فأهلا وسهلا ، وقد حدث لي مرات كثيرة ( و(انت تعرف
) ، بعد صدور روايتي " البكاء على صدر الحبيب "، التي أثارت ضجة كبيرة ، ومشحونة
..ودار حولها نقاش صاخب ، وتعرضت لحملة تشويه دفعتني لمغادرة بيروت ، وعشت ظروف
مخيفة ، لاأريد الحديث عنها!! ولاأريد أن أقدم دعاية ؟؟ ولكن لدي الكثير للكتابة عن
شرف الكاتب والكتابة ، ودور الكاتب الفلسطيني أو العربي ، لانني سأعري كل العورات
ولابد من ذلك سواء عبر عملي ونصي الادبي القادم أو ما شابه ذلك .....( تحدث
بالتفصيل حول ذلك في الجزء الاول )؟
·
هل شعرت ان شخصية " رشيد " في " الرب لم يسترح.."قد عبرت عنك روحيا ونفسيا وسياسيا
واجتماعيا ،ككاتب ،وهل شعرت انك استطعت تطويع ذلك من خلال النص ؟؟؟
·
ليس ثمة أدنى شك .ولكنه يعبر في جانب من الجوانب عني حقا .حتى انني حين اخترت الاسم
لم أتردد في ذلك على الاطلاق .ثم جاء من قال :
-
ان رشيد هو رشاد
...كذا !!؟
وذلك غير صحيح اطلاقا !بل انني قدمت
وكتبت أشياء داخل الرواية ،
أعتقد انه من المفروض أن تدرس جيدا وبعمق ...، لانني أردت أن
أقول رأيا من خلال الادب ، ومن خلال تجربتي التي عشت ..بكل
تفاصيلها المروعة .
الكتابة
ليست تعبير عن تجربة فردية ؟
·
هل تعتقد ان الكتابة تعبير عن " تجربة فردية " ، للكاتب ، ولايهم الكاتب الا نجاح
تجربته ؟؟؟
·
لا أعتقد ذلك لانني
لست " رشاد "الموجود في قصره العاجي كما العديد ممن يكتبون ، و ليس لي علاقة بالكون
الذي أعيش فيه ، لكنني قبل كل شئ : انسان ، وطني محتل ، أنتمي لامة عربية ، وحضارة
انسانية عريضة ، وانتمي لكل ما هو شريف وطاهر بالانسانية .
·
في الجانب الاخر من المسألة ، والسؤال مطروح فعلا حتى في الاوساط الفرنسية
والاوروبية عامة : " الفردية " التي قصدتها ، التي تولدت من غياب الهم الجماعي الذي
كان سائدا على الاقل عربيا أو فلسطينيا ، بعد سقوط الرهان على الايدولوجيا
المستوردة من اصقاع بعيدة ، كما سقوط كل الشعارات السياسية طوال عدة عقود ؟طبعا
أقصد " الفردية " الواعية بشرط وجودها ، لا المنعزلة ؟؟؟
·
لا أعتقد ان الكاتب يكتب لانه يريد أن يكتب !!! أو قرر ذلك !! حينئذ
لن يكتب شيا . أو أنه يكتب كي ينشر كتب
ومقالات ويستمتع بها ؟؟
أوانه يكتب ليكون مرضيا عنه أو ليدفع
له ؟؟
أعتقد ان الكاتب يكتب لانه يشعر بانه من جيل يصنف على أنه منجذب الي الامساك
بدور " فعال" داخل الحركة الثقافية ، التي تتحدث عن التحرر والتطوير والتغيير
ومواجهة التحديات ، كما يجد نفسه أمام مفترقات اختيارية
صعبة ومعقدة أو عديمة التكامل في تكويناتها الفكرية ...لذلك يكتب ليعبر عنه
وعما يدور حوله من وقائع وأحداث لها انعكاساتها المباشرة عليه روحيا ،
ونفسيا ، سياسيا ، فكريا ، اجتماعيا ، وفلسفيا أيضا ؟؟ وهل يمكنه ان يتفرج
على نفسه والاخرين ببلاهة؟
هربت يومياتي مع سائق لبناني شجاع؟
·
كيف كتبت تجربتك عن حصار بيروت مثلا ضمن تلك الظروف المأساوية والصعبة جدا لانجاز
عمل أدبي ؟ خاصة وكنت أول من كتب عن الحصار مباشرة ؟؟
·
لقد عشت أيام الحصار ساعة ، ساعة، أو قل لحظة ...لحظة ، وكتبت في أربع دفاتر تفاصيل
حياتي اليومية ، مشاهداتي ، شهاداتي ، للشارع والناس العاديين والمقاومين والشهداء
والجرحى والاطفال والشيوخ والنساء ، تحت هول القصف والموت ونزيف الدماء الطاهرة تحت
الحصار والصمود!!!
لقد هربت كل دفاتري مع سائق عمومي
لبناني شجاع الي أسرتي في "مخيم اليرموك " بدمشق ؟حتى يوم رحيلنا مع المقاومين
المقاتلين المتجهين الي تونس على متن السفينة اليونانية " لسولفرين "، وبعد وصولي
بليلة واحدة ، كنت أحط في دمشق ، وهناك بدأت أكتب " آآه يابيروت "؟؟ حصارها وناسها
كان "منجم للبطولة كما الابداع " فمن شاء فليكتب أو كتب . ولم أكتب كل ماحدث في
بيروت ، بل هي ايضا عن تجربتي ورؤيتي ووجهةنظر عميقة من خلال المعايشة والخبرة .
بعد ذلك قضيت ثلاث سنوات وأنا أكتب روايتي " الرب لم يسترح في اليوم السابع "
التي تحدثنا حول ظروف مخاضها مع الارزال منهم ، وهي التي أثارت حولها الكثير من
الغضب والصخب في الساحة الفلسطينية ؟
الرواية تحمل في خطابها جوهر حياتنا ،وتجاربنا ،وخبراتنا
·
عرفت انك واجهت صعوبات جمة ،ومررت بظروف قاسية ؟؟
·
فعلا وقد تنقلت بين
بلدان عديدة ، تعبت علاقاتي بأقرب الناس
لي لانني كنت في حالة نفسية صعبة
للغاية ، ومررت بأزمة مروعة ،
رهيبة ، سأكتبها بتفاصيلها ، لانها لربما تقدم
شيئا ما عن جحيم
تجربة كاتب فلسطيني ؟؟
وكيف تجولت ودرت في شوارع "مخيم اليرموك
" وحيدا ،
في الليل لساعات طوال ، كنت مريضا لفترة غير قليلة وتحملت،
" المناخ" الفلسطيني " المظلم
"بعد الخروج من بيروت والانشقاق
والانقسام المفزع. تحملت أيضا سفالات بعض السفهاء الساقطين
الذين حاولوا الاساءة لي خلال وجودي بالخارج للعلاج و" تحملتهم " .
وكل ما حاولوه من " تدمير "
لحياتي ككاتب ، وأنسان وأسرة ؟؟؟
ليس من قبيل الصدفة أن السفهاء الذين لايقرأون ، والجبناء؟؟
أساءوا لحياة الذين قاتلوا ، ويقاتلون
بكل الامكانيات والوسائل المتاحة
كما الذين يبشرون بالمثل
والقيم الوطنية الصادقة والمخلصة ، كي لاتدمر أحلامنا في وطن حر ،
وتتخرب حياتنا ، وربما يجد
القارئ بعضها في روايتي القادمة "رجال من قش" التي أعمل على
انجازها قريبا (...)، لا أكتب للنقد والنقض فقط فهذا امارسه خارج الرواية ،
خاصة المقالة والتعليق في الصحافة والتلفزة وتظاهرة أوندوة لاقول خطابا مباشرا
ولكن الرواية يجب أن تحمل في خطابها جوهر حياتنا ،
وتجاربنا ، وخبراتنا
.
ان دور المرأة الفلسطينية أغنى بكثير من دور الرجل؟
·
هل هذا ما يفسر اننا نجد في شخصية "زينب "المعادل الفني : للام ، والحبيبة ، والارض
، والثورة كما نشعر واياها تتماثل والواقع على شكل "وطن" كما تتمثل أيضا بمجموع
تاريخ نضال المراة الفلسطينية ، بشكل انساني عميق وحميم بعكس الذين يقفون على أبواب
المرأة : الجسد والرغبة ، والغاية ؟ كما نجد في "زينب " نموذج لجمال الحبيبة
الداخلي قبل الظاهري والشكلي ، كما أنها " اللأم " في الحقول والسهول كما في المخيم
،والقرى والمدن والشتات ؟ هل سعيت لطرح كل ذلك دفعة واحدة ، وبالتالي طرح سؤال كبير
مازال يبحث عن اجابة ؟أم كنت تبحث عن رؤية جديدة وجدية لدور المرأة ؟
·
ربما السؤال في حد ذاته – من خلال انطباعي – ثمة تقدير للشخصية وما تقدمه ل" زينب "
الانسانة ، المرأة ،الفدائية ، والام ، والحبيبة ، ذات الخصوصية الفردية من جهة
والتي تحمل خصائص المرأة الفلسطينية من جهة أخرى ، لعل هذه المعادلة صعبة جدا ، وفي
غاية التعقيد وقد يقرأ القارئ النص ويستمتع وينتشي في حين كان الكاتب يكتب ويتعذب
كثيرا ويحتاج للدخول الي خبرات كبيرة جدا ، ومتعددة ، كما طاقة غير عادية للدخول في
نفسية وأعماق ودواخل الانسانة / المرأة المظطهدة والمعذبة ، بشكل غير عادي
؟ومتابعتها خاصة وانني أعتبر أن دور المرأة الفلسطينية أغنى بكثير من دور الرجل ،
وهذا ليس بتفضيل ولكن الدور الذي تقوم به ، دور فارق وغير عادي ، اذا تلمسنا الظروف
والشروط التي تعانيهما بشكل قاسي أعتقد انه دور لايشيه أي دور لاي امرأة في مكان
آخر ، فهي مطلوب منها : أن تصون الأسرة ، تحميها ، تربي الابناء ، تحافظ على الزوج
، تحرث الارض ، تزرع وتحصد وتجني وتعلم وتحمل التراث الشعبي في الوطن والشتات ،
والتراث الفني من تطريز ونسيج ، وأغاني وأهازيج الاعراس والمأتم ، وتتحمل أخطر
لحظات العمر حين افتقاد الزوج ، والابن ، والاخ ، والاب في حرب فرضت عليها دون ذنب
؟؟وتقوم بحمّل عبّ الاسرة ، وقمع الجسد وبالاحرى التخلي عن رغبات الجسد والغاءها من
أجل حماية الاسرة والابناء أو الاخوة والاخوات المهددين بالتشتت والتلاشي والضياع
مع كل حرب ومجزرة تحيط بهم ؟؟وهي بالمحصلة ، حماية المجتمع من الذوبان والتلاشي
وبالتالي / القضية في الشتات ،والوطن في الداخل بمواجهة حرب الابادة الصهيونازية ،
وخير مثال لدورها الفذ ما سمعناه ومازال عن دورها في الانتفاضات المتواصلة ضد
الاحتلال خصوصا في الانتفاضة الاولي، من دور فعال بل ودور فدائي استشهادي ضد
الحواجز العسكرية وقطعان المستوطنين والدوريات العسكرية وهناك ألاف المعتقلات في
سجون العدو على هذه الخلفية ، ومن الصعب علىّ التحدث عن أداءها ، ومع ذلك لربما
يسرني أن بعض النقاد العرب انتبهوا لحضور المرأة في أعمالي ، وتقديمي للمرأة من
خلال دورها الفعال والمؤثر في حياتنا منذ رواية " العشاق "، فمثلا كتب الناقد
المصري فاروق عبد القادر عن شخصية ألامهات في " العشاق " كما انتبه كثيرا بعض
النقاد الي شخصية " زينب " أيضا ، الناقد محي الدين صبحي ، والروائي الكبير حنا
مينا ، وما كتبه الكاتب الروائي العراقي عبد الرحمن الربيعي ، وياسين رفاعية ،
والناقد المعروف نزيه ابونضال وغيرهم الكثيرين ...
أما أجمل ما تلقيت وعرفت اقبال قراء عاديين لزيارة
المخيمات ، وبعض النسوة خاصة كن يبدن الرغبة لزيارتي في مخيم " اليرموك" بدمشق
ليتعرفوا جميعا على " زينب "، على أعتبار أنها فعلا زوجتي أو التقيت بها وتزوجتها
!!؟؟
للحقيقة شئ مدهش وظريف لم أك أتوقعه على الاطلاق !!!
أما الحادثة المدهشة الاخرى ، ان أحد الاصدقاء الكتاب في
الكويت حين حضر لاستقبالي بالمطار بعد قراءته
للرواية "
الرب لم يسترح.." كان يسألني بمنتهى الجدية :
أين تقيم " زينب "ألان ، وماذا
تفعل حاليا ؟؟؟
وحين استفسرت منه بجدية أيضا ؟؟قال لي :
(( أنه مستعد للا ستقالة من عمله في شركة النفط ،
وشركة كذا .. وكذا ،
وترك الاولاد والزوجة ، وأن يذهب للبحث عنها ،))!!!
يومها ضحكنا معا حتى ألاغماء ، وقلت له :
" لو أنني أعرف أين هي " زينب " بالضبط لما كنت جئت
للبلد هنا ، ولما التقينا اليوم ....
لذلك أطلقت أسم " زينب " على أبنتي الصغيرة تيمنا بذكرى أمي
التي ماتت قبل أن أعرفها صغيرا ، حين زلقت قدمها وهي تمازح
صاحبتها فهرسها بابور الطحين في قريتي " ذكرين " القريبة
من بيت جبرين" / الخليل ؟؟
النقاد
تذرعوا بعدم استيعاب النص !!
·
أعتقد يمكننا تفسير ذلك بأن القارئ لنصك، لايقرأ حروفا وكلاما في الخواء بل يلمسها
العصب ، والرؤى ، والمشاعر ، والحواس ، النبض كما الرغبات والاحلام في كل انسان ،
هل أردت أو كنت تبحث عن نمذجة شكل جديد لشخصية المرأة عامة ؟ ومن خلال شخصية " زينب
"تحديدا ؟
·
ليس ثمة شك في ذلك ، ولا أخفيك ان بعض القراء من زملائي وأصدقائي ( وتعرف العديد
منهم )، بعد أن قرأوا الرواية ، أعتبروها " تسجيلية " وبعضهم اعتبرها رواية "
الخروج "، وبعضهم الآ خر اعتبرها رواية " توثيقية " للرحيل أو أنها وصف من الخارج ،
وما شابه ذلك ؟؟!!
بصراحة لا أخفيك انني بداخلي كنت أضحك ، وهذه المرة
الاولي التي أتعامل مع بعض الآراء بهذه الطريقة لأنه لا يليق بكاتب أو ناقد أن
يتلقى عمل كتب بهذا الجهد والمعاناة ، بمجرد القاء انطباعات سهلة ، وأحكام جاهزة
ومسبقة !!!
في حين تلقاه القراء العاديين ( كما عرفت
وسمعت)بانتباه شديد وبا حتفاء وفهموه جيدا ، واستمتعوا به ، في حين بعض النقاد
تذرعوا بعدم استيعاب العمل / النص جيدا؟؟؟!!!
في نفس الوقت أعتز كثيرا بماقاله وكتب عنه بعض
النقاد والكتاب الذين لهم باع طويل في ألابداع العربي منهم الاستاذ الروائي (الراحل
)جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن الربيعي ومحي الدين صبحي ، وغيرهم، التي تدفعني
لتطوير امكانياتي وأدواتي الفنية عوض عن أغلاق الابواب أمامي كما يفعل متسلقي حديقة
النقد ؟؟!!
·
فعلا في كثير من ألاحيان يشعر المرء حين ألانتهاء من قراءة قصة أو رواية ، انه لابد
من القيام بفعل شئ ما ، أو التعرف الي مكان ما أوشارع جاء ذكره في رواية أوقصة
،لذلك أعتقد ان عبقرية الكاتب تكمن في بساطة اللغة ، المعبرة عن الهم الانساني
العميق وسيطرته المحكمة على اللغة والسياق بحيث يؤثر بشكل عميق لدى القارئ
والمتلقي........
·
في نفس السياق وعلى مستوى ألادب في الموضوع الفلسطيني، هل تعتقد انه توصل لطرح
القضية التي يقدمها بوجهة نظر مواكبة للحدث الفلسطيني المتصاعد....؟؟
·
نحن كما أعتقد لايمكننا أن ننساق كثيرا الي الاسئلة التي فورا أشعر أنها تقلل من
قيمة أدبنا الابداعي الجيد لا السئ ؟
·
تلك المسألة طرحت للمناقشة في الاوساط الثقافية كمآخذ وليست للتقليل من أهمية الادب
الفلسطيني وهم يعرفون جيدا الرموز (اميل حبييي ، محمود درويش ادوارد سعيد، هشام
شرابي، جبرا ، غسان كنفاني ، أفنان القاسم ، احسان عباس ،وتوفيق زياد في الداخل أو
الشتات ؟؟
·
...... ان الذين يكتبون الرواية والقصة والشعر والمسرح في ألادب الفلسطيني حاليا هم
من جيل النكبة أي مابعد العام 1948أي في الستينات من عمرهم ومنهم العديد الذين
رحلوا، وبالتالي لايمكن أن يكونوا قد كتبوا كل المأساة الفلسطينية ، ووضعوا نقطة
أول السطر . وأخذوا يتفرغون لامور أخرى ؟؟ هذه مأساة مروعة تم توريط كل العالم في
خطوطها ومشاريعها ومؤتمراتها ومبادراتها السرابية والوهمية المخادعة والمضللة
والمزيفة ارضاءا للمشروع الصهيوني والاوروبي الامريكي بتواطئ الطابور الخامس من
الانظمة العربية ، ويتقدمهم بكل صفاقة السفهاء في عربة اوسلووو التي يجرها بغل أعمى
، دون عجلات ، هذا ما لم ولن يحدث في تاريخ البشرية ؟؟
لذلك لوكتبنا ليل نهار مئات بل ألوف الرويات لن نتوقف على الاطلاق عن الكتابة ، حيث
أن كل انسان في داخله مأساة – وحده : ملحمة ، ورواية ، هو فراق وموت ،
وحياة ، كما منافي ومطارات وملاحقة ومطاردة ،؟؟
في حين الصهاينة يتدللون على العالم ، وهم محملين على أكف الراحة والدولار
الاوروبي الامريكي ، كما الصمت العربي المتواطئ؟؟
وعلى الرغم من اننا في نفس الوقت نصارع فيه ونقاتل ونصمد ونتعرض للابادة والمجازر
اليومية منذ أكثر من ستين عاما ؟؟كما لم يكن لدينا منذ ثلاثين عاما هذا
المستوى من الابداع والادب ؟! وأصبح لدينا ألان روائيين عمالقة كما في الادب
والفكر والشعر والمسرح والموسيقى والسينما وفنانين تشكيليين حتى السياسة والاقتصاد
والمال أيضا جابوا ويجوبون عواصم العالم كما باحثين عالميين (احسان عباس ، ادوارد
سعيد ، هشام شرابي ، ابراهيم أبو لغد .. وغيرهم الكثيرين مثالا لا على الحصر ...
ولكن نطمح الي ما هو أفضل ، وأكثر ، وأجمل ، باستمرار ، لان حياتنا ذاتها وواقعنا
له طابع ملحمي ، نحن لانجلس لنكتب ونفلسف العلاقة مع الجدران والحائط أو الفضاء
بالسحاب ..والموت ، بالحياة، نحن نكتب عن بشر من لحم ودم يعيشون بيننا ، يتعذبون ،
ويتألمون ، ويصمدون ، نحن نكتب – عن كرامة الانسان وكبرياءه، وشرفه وانسانيته
المهددة على الدوام بالموت والسحق والاستقصاء أو التهميش ، على الرغم من المستنقع
الذي أجبرنا على خوضه بكل وحشية ؟؟ لايمكن أن يكون ثمة كاتب في العالم عمره أربعين
عاما ، وتنقل في خمسة قارات !! كما لم يرّ أشقائه وأولاد أشقائه منذعشرين او ثلاثين
عاما أو أكثر ، وحتى لو رآهم في الطريق العام لما عرفهم !! أتحدث عن أصدقائي وليس
عن نفسي !!!
·
- تماما أنا أحدهم
، وأضيفك ، عائلتي الصغيرة والكبيرة تعيش في خمس قارات ؟؟ أما كيف يمكننا اللقاء
فهذا من الصعوبة بمكان لنجيب عليه ، وعن كيفية فهم السؤال والاجابة علية يتوقف
مصيرنا الذي أحاول استيعاب غير معقوليته دون الاجابة على حرقة التساؤل والانتظار
المريعين ؟؟ وهل كتب عن ذلك ؟؟لربما كتب الكثير بكل تأكيد ولكن ...
الخطاب السياسي المضلل والمخأدع !!
في عملك الروائي تشير الي وجه
المقارنة بين " موتنا وموت الاخر " حيث يفتخر الصهاينة ، انهم انتحروا جميعا في "
ماسادا "ولم يقاتلوا الرومان ؟؟ وتتطرق الي معركة الكرامة 1968، وقلعة الشقيف 1982
، والذين قاوموا حتى استشهدوا فيهما؟؟الاترى أن ثمة تشابها في فعل الموت ؟؟؟
·
على العكس تماما ثمة تباين وتناقض وفارق كبير ين جدا ، والفرق هنا بين الصهاينة ،
والعقائدية الفلسطينية التي لم أت عليها الا من خلال أعمالي الروائية (والأدبية ) ،
ومن خلال مسيرة حياتي التي أتشبث فيها ، والعقائدية التي أقصدها تلك قلبت مفاهيم
ونظريات سياسية وعسكرية منذ معركة الكرامة 68، بل يمكن أن ندقق أكثر منذ1965حين
تجاوزت السائد المفروض – السياسي والحزبي العربيين ؟وصولا الي مجازر أيلول و
الاحراش 70- 1971ثم معارك جنوب لبنان ومذبحة تل الزعتر 76وحصار بيروت 82 ومذبحة
صبرا وشاتيلا ، وهذا الانتشار الفلسطيني الاجباري المخطط له في العواصم الاوروبية
والامريكية والتواطئ العربي المهين ؟؟!!ثم اندلاع الانتفاضة الاولى 86حتى اوقفها
ارزال اوسلوا 93بعد ان حوصرت في كل مكان على مدى خمسة وعشرين سنة متواصلة من
الاحتلال الصهيوني ، وبكل مايحيط بفلسطين من كامب ديفيد الي اوسلو؟ ولكن الخطاب
السياسي قد يضلل وقد يخادع ويناور ويتوه!!ا الا ان ذلك لايخيفنا الا في جانب واحد
فقط ، اذا كسرت وضربت عملية السعي للاكتمال والوضوح التام وهذا بدوره يحتاج الي نوع
من التوضيح :
كونني نقيض للصهيونية اذا يجب لأن أكون نقيضه في كل
شئ.لذلك
موته الانتحاري الجبان في معركة " الكرامة "و" الشقيف //صلاح الدين "يقابله الموت
الشجاع والتبيل للمقاتل الفلسطيني ، باعتراف كبار ضباط العدو ، وأحدهم قال : " بمثل
هؤلاء أحتل الجولان "؟! طبعا لايريدون أن يقولون أمام شجاعة المقاتل العربي ينهزمون
( كما حدث في حربه ضد حزب الله تماما العام 2006 حيث فضح امام العالم وبالالوان
وعبر التلفزة كما في معركة ومحرقة غزة الاخيرة )!
في نفس الوقت لايمكن أن أقتنع على الاطلاق ان المقاتل الفلسطيني يمكن له ان يقدم
على قتل أطفال اليهود لو أننا تغلبنا عليهم في معركة مثلا ؟ولو حدث ذلك ساعتبر أن
خللا ما قد حدث في تكويننا كشعب ؟
وثمة مثالا واضحا على ذلك خلال الحرب الطائفية المدعومة صهيونيا وامريكيا وعربيا
العام 1976حينما حررت القوات الفلسطينية الجبل وأقول متعمدا – نحن – وجاءت قوات
وليد جنبلاط – حتى نسمي الاشياء بأسمائها – قام المقاتلون الفلسطينيون بحماية
النساء والاطفال والشيوخ الموارنة منهم ، وكان هذا الامر مدهشا حقا للجميع حتى
الموارنة انفسهم ، لان التهمة ضدهم أنذاك هو أنهم ارتكبوا أبشع المجازر في مخيم "
تل الزعتر "و"جسر الباشا "و" مخيم "ضبية ، و" الكحالة "وباص/ حافلة " عين الرمانة "
الذي اشعل فتيل الحرب!
كل ذلك ينسجم مع التربية الروحية والاخلاقية للشعب الفلسطيني أينما تواجد ، فالمسيح
(عليه السلام) من تراثنا الروحي والثقافي وهو من عندنا من بيت لحم والناصرة والقدس
ولم نستورده من بولونيا او روما؟؟
من ذلك ككاتب فلسطيني أشعر ان داخلي : كل شئ ، كنيسة القيامة ، والمهد كما
المسجد الاقصى والصخرة والحرم الابراهيمي ،والقدس ، وبيت لحم ، والخليل ،والناصرة
وليس لدينا عقدة أو مشكلة طائفية اطلاقا ؟؟
كيف يتم اخراج شعب كامل من وطنه؟!
·ولكن نجد في نصك
الروائي (الرب..)مثلا : شخصية الشاعر أمين نموذج المثقف المنهار " اللا منتمي "كما
شخصية المقاتل المنهار – السلبي ثم الطبيب خريج المانيا الرياضي المبادر ، كيف ترى
المسألة ؟
·
الحقيقة أمين لم
أقدمه على أنه شخص منهار بمعنى جبان ، ولكنه الانسان في داخل عقله الذي يعجز عن
استيعاب ما يحدث حوله !!؟وكيف يتم اخراج شعب كامل ، من وطنه ؟ واحلال مخلوقات
مجمعة من كل جهات الكون والقارات بدلا منه !!ثم لم يجد الاجابة الشافية لتساؤله
القلق والمصيري ؟؟ ولماذا كل الذي يحدث؟واجباره على الرحيل من أخر المنافي بكل
وحشية دون أي ذنب أقترفه ، وهو الضحية ؟؟فيصاب بنوع من الشك والحزن والآسى ويحاول
ان يشرب لينسى ويكتب ويغني ...وثمة لدينا من كان معنا في الباخرة كما نجده في
حياتنا اليومية ويصل لهذه الحالة فعلا !!
أما الدكتور خالد ، كان يريد أن يخلق توازنا الي حد ما بين جسده وروحه ...صلب ومرح
وفكاهي ، ويريد أ، يبني شئ ما ، وله وجهة نظر يعبر عنها بهذه الطريقة ...
ونحن باختصار كمجتمع وشعب لدينا كل شئ ولسنا انبياء ، تجد الشجاع والانتهازي
والمنحرف والجبان والهارب من المعركة والشهيد والجاسوس ، السفينة تماثل في معادلها
: فلسطين ، والثورة والشعب ...
الابداع ليس انجاب كم من الارقام المتخلفة؟؟!!
·
فينصك وعلى لسان "رشيد "يشير الي أن الفلسطيني يجب ان يتزوج ، وينجب الاطفال –
تعتقد ان صراعنا مع العدو بهذه البساطة ؟؟!!وقد انتقد ذات يوم الظاهرة بعنف اميل
حبيبي وغيره أيضا وان يحاول الصهاينة التظاهر فعلا أنهم مذعورين من زيادة المواليد
في الداخل الفلسطيني ؟؟!!
·
على العكس تماما انني
أفكر بها بطريقة أخرى : فالاسرة التي تقدم ثمانية كوادر دفعة واحدة للوطن : اطباء
ومهندسين واساتذة جامعيين ومحامين ومقاتلين وقادة ..هؤلاء ليسوا أرقاما أو أعدادا
كما يعتقد الصهاينة !!؟؟
لذلك أقصد بالانجاب : الابداع وليس انتاج كم من الارقام المتخلفة كما يتصور
الصهاينة ؟أو كأيدي عاملة رخيصة !!
ولذلك أيضا تنفذ ضد الشعب الفلسطيني
المذابح تلو المذابح والحصار تلو الحصار في ظل الصمت الدولي والعربي الرسمي والشعبي
للاسف ؟؟!!وبمعني أخر كما يجري حاليا محاولات شطبنا من الخريطة السياسية ، لتسهيل
شطبنا جغرافيا وكل ذلك لم يأت بالصدفة ؟
·
اذا انتقلنا لموضوع الادب الصهيوني تقدم الشخصية العربية (والفلسطينية تحديدا
)مشوهة وقذرة ؟في نفس الوقت الذي نجد فيه الشخصية اليهودية في الادب العربي
والفلسطيني منمذجة أومثالية ؟؟ كيف تر ى وجه التباين والمفارقة ؟؟
·
نعم! ان أدبنا العربي
والفلسطيني يكتب وليس في ذهنه تحقير اليهود ، لان الكاتب الفلسطيني لايعتبر نفسه في
حرب وجود /حياة أو موت مع اليهودي كديانة فثمة منهم يعيشون بسلام في المغرب وتونس
واليمن والجزائر والعراق ومصر وسوريا ولبنان وحتى البحرين وليبيا وكذلك الطائفة
السامرية اليهودية التي تعيش في نابلس دون أي عداء منذ الاف السنين كمواطنين ،
ويهود الاندلس خير مثال هل ذهبوا الي اوروبا مثلا ؟؟ انهم في المغرب وتلمسان وتونس
يعيشون جنبا الي جنب المسلم المغربي والجزائري والتونسي بكل انسجام ؟في حين صراعنا
الذي فرض علينا من خلال اجندات استعمارية كانت رأس الحربة لها الحركة الصهيونية
التي أحتلت ارضه ووطنه / فلسطين ، لذلك عندما يقدم (أدبنا ) صهيونيا فأنه يقدمه
مدجج بالسلاح معادي ، لاانساني ، رعديد ، صفيق ..الخ كما نراه في فلسطين المحتلة
يحرق ويدمر الارض والشجر والحجر والانسان ومتمثلا في : الجندي ، ورجل المخابرات ،
والسجان ، وهذا مانجده لدى كتابنا في الداخل 48:اميل حبيبي وتوفيق زياد والاسدي
وسميح القاسم وسلمان ناطور / ومحمد نفاع ، ومحمد على طه ، ورياض بيدس ، وزكي درويش
وسهام داوود وغيرهم الكثيرين ..أما نحن في الشتات فكتبنا عنه كمعتدي ، وجندي ،
ودبابة ، وطائرة حربية ، من خلال تجربتنا و شعبنا في المنافي والمخيمات المعرض
للابادة والموت اليومي منذ ستين عاما ؟ أما الشق الاول من التساؤل ، ولماذا يقدمنا
الادب الصهيوني بتلك الصورة ، لانه ببساطة ، أدب دعائي ، وأعلامي متباكي
، وموجه للدعاية والرآي العام الغربي والامريكي ، وهناك نوع من العدائية
المتجذرة في قطاع متصهين من الرآي العام داخل المجتمعات الاوروبية، تتلقف هذا النوع
من الكتابة لتعيده في السينما والتلفزة عن تقصد ووعي وادراك في حربها ضدنا ، حتى
لانأخذ دورنا الحضاري في المواجهة ، والانسانية ؟ ومن جهتنا ككتاب عرب يشرفنا
اننا لانقدم في أعملنا الروائية نماذج يهودية ننظر اليها بعداء أو باستعلاء
كما يفعل الصهاينة ، ولكن نحن نبحث عن أنفسنا ونعيد بناء أنفسنا ، لتطوير
مجتمعنا كما نبحث عن دور حضاري انساني ، ونحن بالمناسبة رغم كل الحروب
والمجازر ضدنا كشعب وطليعة لم نفقد رشدنا أو أنسانيتنا ، ولم ننساق الي نفس
الوحشية والانهيار الاخلاقي في الحرب كما تتخبط وغارقة فيه المؤسسة الصهيونية ،
كما لم ننساق للحماقة والتعصب ضد الرآي العام المتصهين على الساحة الاوروبية وغيرها
.
لولم
اك فلسطينيا لكتبت بطريقة أخرى؟
·
هل يعني ذلك حين تكتب تفكر بالجمهور الذي ستتوجه اليه عبر عملك الادبي ؟ أو بمعنى
آخر هل تفكر بالترجمة للغات الاخرى ، والسعي لجوائز عالمية مثلا ؟ ام ارضاء
القارئ؟؟
·
أنا لو لم أك
فلسطينيا ، لكتبت بطريقة أخرى ، وبالتالي لآصبحت معنيا بالكتابة عن الفضاء والفراش
والذباب والصراصير ، والفئران والجاسوسية والبوليسية ..!!لذلك مادام وطني محتلا
سأكتب ما يعينني على استرداد وطني والعودة لقريتي وارضي بكل الوسائل الممكنة
والمتاحة ، لالحاق الهزيمة بمغتصب ارضي ومستقبلي . أما الاجابة على الشق الثاني
من السؤال : بصراحة لاأفكر بالارضاء على الاطلاق ، ولا أفكر بالترجمة ، ولست
معنيا بجوائز عالمية ، وسأكتب عن كل ما يحول دون جائزة عالمية ...وبصدق
اذا رغبت في جائزة عالمية ، سأخذها من الاصدقاء وقد حصل ذلك فعلا . والحقيقة لا
أفكر الا أن أؤثر في حياة شعبي العربي والفلسطيني ، وأن أقدم وأكتب بما يليق
بحياتنا ومستقبل أجيالنا القادمة .... اما مسألة الارضاء والجمهور تحديدا لدي
مفهومي الخاص ، حيث أكتب وأقدم بما يرضي ضميري الواعي بشرط ومبرر وجودي وقناعاتي
،وان ثمة كتاب وقراء لايرضيهم ما أكتب وما كتبت !! لانهم أفسدوا أو خربوا ويعيشون
في قصورهم العاجية ،والموقع المعادي للجمهور، أحد النقاد العرب ، سألني بعد أن قرأ
روايتي " الرب لم .." : كيف سيطرت على النص واللغة ؟ وكيف لم تقع في الرتابة
؟؟وتحدث مطولا ، فعرفت ان جهدي لم يذهب سدى ، وأن "تعبي " يصل الي الذين يستحقون ،
والي قراء كثيرين ، التقيتهم ، واستمعت اليهم ، ولم يثيروا " تفاصيل" وحججا للتستر
على " فساد حياتنا " !!القارئ ( الجمهور )ليس منافقا . قد لايعرف كثيرا في فنون
الادب ، والتقنيات ، لكنه يعرف ويفهم كما يدرك الحياة جيدا .
·
في حديث لغارسيا ماركيز الروائي الكولومبي المعروف قال فيه
L((
انه كلما مرّ الوقت يشعر المرء (الكاتب )بضرورة الاسراع في الكتابة، خوفا من
الشيخوخة أو الموت ))، هل تشعرون رغم كل ما قدمته من أعمال أدبية أنك لم تكتب كل ما
تريد؟؟وهل لديك ذلك الاحساس ؟؟
·
هذا صحيح جدا ، وفعلا
لدي هذا الشعور ، كما يصيبني القلق و"زيادة شوية " وليس في ذلك أي شك ، وهذا ما
يدفعني للاسراع في انجاز عملي الروائي الذي أعده منذ سنوات (( رجال من قش ))
·
تكتبون المقال السياسي في الصحافة اليومية ، وعبر الانترنيت حاليا والحوارات
المتلفزة ، وتعيشون حياتكم العادية ، وتمارسون عملك الوظيفي اليومي ، كيف يمكن
للكاتب أن يعيش حياته العادية ، وفي نفس الوقت ان يعيش حياته الاعمق ، حياته ككاتب
ومبدع لديه احساس مغاير للاخرين؟ خارج كل تلك القيود ؟؟؟
·
تنهد أبو شاور وصمت!
وبعد لحظة تأمل أجاب :
مثلما تنظر الي البحر ، يخيل اليك أنك
ترى المياه فقط !!؟؟ أما ما تحت المياه فلاتدري عنها ، شعب مرجانية !! أو أسماك قرش
!! عادية !!أو صغيرة ؟؟لذلك كل انسان له طموحاته وفي كثير من الاحيان أكبر منه ،
ولكن بصراحة نحن نحمل أنفسنا مسؤوليات كبيرة عن قناعة ومثالية ، حين نحاول اسقاطها
على واقع حيا تنا اليومية ، نغوص في حالة صراع داخلي باستمرار لنحفظ توازننا في
المجتمع الذي نعيشه بكل تنا قضاته والذي نرفضه في ذات الوقت ،ونسعي باصرار لتغييره
؟؟في نفس الوقت الذي لانستطيع فرض مثلنا وقناعاتنا عليه أو حتى على الاقربيين منا ،
لذلك نعيش حالة تأمل وحوار داخلي باستمرار حول جدوى قناعاتنا ومثالياتنا التي
نخلص لهما ونبشر بهما على الدوام من خلال اعمالنا الادبية وسلوكنا وممارساتنا
اليومية المستمرة
·
سؤالنا الاخير حول الدعوات للحوار مع الاسرائيلي في الاوساط الثقافية العربية ،
والمقاطعة ؟ والتطبيع كيف ترى المسألة ؟ والمفارقة ؟ في تباين العلاقة ؟؟
·
فيما يتعلق بي شخصيا
أوكد بكل وضوح أو( لف ودوران ) لن أقبل محاورة شخصا يحتل بيتي ووطني مهما كانت
أفكاره ، وقناعاته.(نقطة اول السطر ). لان هذا الشخص الذي يقيم في وطني ، ويسكن
في بيتي ، ويحتل ويسرق تراثي :
-
اما أن يكون صهيونيا مؤمنا بالتوراة !! وأنا لاأحاور من يؤمن بالتوراة والذي
يعتبر انها أعطته وعدا ألهيا لمصادرة وطني وأرضي !!وبالتالي لن أحأوره لانني غير
ملزم بتوراته!!
-
واما أن يكون
مؤمنا بحق القوة أي احتلاله لفلسطين هو بحق القوة ، وانا لست مستعدا
أن أذهب لاحأور من يحتل وطني بحق القوة ، لانني اؤمن بقوة الحق.
-
وثالثا وأخيرا أما
اذا كان مؤمنا أن الصهيونية هي عقيدة غير عادلة ( وهؤلاء يطلق عليهم تضليلا
دعاة شالوم )فعليه ان يغادر وطني وارضي وبعدها أرحب به ، وأحاوره ، بل ويقيم
بيننا فيما بعد لنبني مستقبلنا واحفادنا معا دون حروب ودون دماء ودموع .وبالمناسبة
أيضا لماذا يجب ان يعترفوا بالدولة الفلسطينية ، بعد ان نعترف بدولتهم اليهودية
؟؟
-
اذا كان يؤمن
بالتوراة ، فهو هنا يتنازل عن التوراة !!
-
واذا كان يؤمن بحق
القوة ، فهو يكتشف ان حق القوة لم يستمر وفشل وهزمته حجأرة أطفالنا !! ودماء
الابرياء في مجازرهم الهمجية المتواصلة ومحرقة غزة الشاهد الدامغ ومعها أفتضح أمرهم
أمام العالم أجمع !! وتعرت، كل أبواق ديماغوجية دعواتهم وزيفها وتضليلها ؟؟؟!!!
-
وأمأ دعأة القول
: ان هذا الاخر الذين يدعون للحوار معه حقق وجوده في وطني وأرضي على حسابي ، وحققه
بالقوة والمذابح الدموية !! بصراحة هم يلعبون دورا سياسيا مشبوه، كما تضليل
ثقافي وفكري ومحأولة تشويه الوعي العربي ، ويمكن أن يكون بداية "د فرسوار"
جديد ، في الوعي الفكري والثقافي العربي ، شاءوا أم أبو ؟؟!!!بل يمكن ان يكون أخطر
من اتفاقيات أم المهازل " اوسلوو" وأخواتها .

|