|
زاهر ... وابن مسعود

د.عثمان قدري مكانسي
othman47@hotmail.com
رجل من أهل البادية اسمه زاهر . . ولكل من اسمه نصيب ، فهو ذو روح طيبة وأخلاق
رائعة تفوح منه كرائحة الزهر الأخَّادة .
كان إذا جاء المدينة حمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من باديته خيرها ، لبنها ،
سمنها ، زبدتها ، ويقول : يا رسول الله هذه هدية زاهر إليك ، فاقبلها منه تجبرْ
خاطره ، وتسعدْ قلبه .
كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم له ويأخذها منه قائلاً : قد قبلناها منك يا
زاهر ، جزاك الله عن نبيّه خيراً ، وأجزل لك المثوبة ، فإذا ما عاد إلى أهله جهزه
النبي صلى الله عليه وسلم من الطرَف والمستحسنات المدنيَّة ما يقر بها عينه ، جزاءً
وفاقاً ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول : إن زاهراً باديتنا ، ونحن حاضره ، وكأنه
صلى الله عليه وسلم يقول للناس : تهادَوا تحابُّوا . . ومهما كانت الهديّة صغيرة
فإن أثرها في النفس كبير . .
رآه صلى الله عليه وسلم في السوق مرّة فجاءه من خلفه ، واحتضنه وكان زاهر دميماً
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه لحسن أخلاقه ورفعة شمائله . . وحاول زاهر
أن يعرف محتضنه فالتفت قائلاً : دعني يا من احتضنني ، فلما عرفه جعل ظهره إلى صدر
رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمّناً وتباركاً ، واجتهد أن يظل ظهره ملتصقاً بصدر
المصطفى عليه الصلاة والسلام ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( من يشتري
العبد ، من يشتريه ؟ )) .
قيقول زاهر : إذن والله تجدني كاسداً ، من يشتري دميماً يا رسول الله ؟ !!
فيقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم :
(( ولكنّك عند الله لست بكاسد ، أنت عند الله غال . إن الله لا ينظر إلى صوركم
وأجسادكم ، إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم )) . . إلى محل التقوى ، والخلق الرفيع ،
والعمل الصالح . . .
وقيمةُ الإنسان بمخبره لا بمظهره .
* * *
وقد كان عبدالله بن مسعود حين أسلم أبى إلا أن يعلن بالقرآن عند الكعبة فحذره رسول
الله صلى الله عليه وسلم من المشركين أن يؤذوه فقال : ومالي أن ألقى في سبيل الله
ما ألقى !!
وصدح بالقرآن الكريم والمشركون يسمعون ويكرهون . فما كان من أبي جهل إلا أن شدّه
من أذنه شدَّة قطعتها ، فرماها إليه وهو يضحك شامتاً .
أخذ الألم من ابن مسعود مأخذه ، وحمل أذنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو
ظلم الظالمين ، وفجور المستكبرين . فما كان من الطبيب الرحيم إلا أن أعادها إلى
مكانها ، ودعا الله له بالشفاء ، فعادت كما هي كأنها لم تقطع ..... يد مباركة رحيمة
، خصَّ الله صاحبها صلى الله عليه وسلم باليمن ، بالخير والبركات .
قال ابن مسعود رضي الله عنه : لهي أقوى من أختها وأسمع ، ولأختها أشدُّ حاجة إلى
ما حصل للأولى ، وهمَّ أن يعود إلى المشركين ليسمعهم القرآن الكريم ويغيظهم ، فيقول
له المعلم الأول : حسبك الآن يا ابن مسعود فلقد كان ما فعلته اليوم شديداً عليهم .
.
هذا الصحابي الجليل كان قصيراً نحيفاً . . صعد مرة إلى شجرة ، فرأى الصحابة دقة
ساقيه فضحكوا لذلك ، فما كان من الهادي العظيم وأستاذ الأساتيذ إلا أن نبههم إلى أن
كرامة الإنسان ومكانته بعمله لا بقوله فقط ، وبفعله لا بمظهره فقال : إن ساقه لأثقل
عند الله من جبل أحد . . نعم من جبل أحد .
لـيـس الإنـسان iiبمظهره فـإذا مـا ظـنّ بـها يعلو إن الإنـسـان iiبـتـقـواه والـعـمـل الصالح يرفعه فـاعـمل خيراً تلقً الأجرا وتـعـاهـد إخوانك iiدوماً |
| وبـمـسـكـنه وبما iiيملك في الدركِ هوى ، وبه iiيهلِكْ ُ يـعـلـو ويبارك iiمسعاه فـي الـناس ، ويكرمه iiالله تـرفـعْ عند المولى iiذكرا فإذا عسرْك يصبحُ يُسرا(1) |

(1)
الأبيات للمؤلف .
|