|
ثم أسلمتُ

د.عثمان قدري مكانسي
othman47@hotmail.com
قال أحد أحبار اليهود - زيد بن سعنة - الذين أسلموا حين روأو صفات النبي ـ صلى
الله علي وسلم ـ المكتوبة في التوراة واضحةً وضوحاً بيّناً في رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ : لم يبقَ من علامات النبوّة الداعية إلى تصديق الرسول الكريم
واتِّباعه علامة إلا وعرفتها إلا صفتين اثنتين لم يتسنَّ لي معرفتهما .
الأولى :
يسبق حلمه جهله . . فهو واسع الصدر حليم لا يغضب لنفسه .
الثانية : كلّما جهل عليه أحد زاد حلمه وأضاءت أخلاقه ، فكنت أزوره وأتطلف
له لأستطيع مخالطته والتعرُّف عليه عن كثب ، فلما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ يوماً من الأيام من الحجرات ( وهي بيوت أزواجه رضي الله عنهن ) ومعه علي بن
أبي طالب رضي الله عنه ، أتاه رجل بدوي على راحلته ، فقال :
يا رسول الله إن قرية بني فلان قد أسلموا ، وقد أصابهم قحط شديد ، وجوع هدَّ
جسومهم ، وأنا رسولهم ، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به يكونوا لك شاكرين ،
ولأفضالك ذاكرين ، ولم يكن مع الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذ ذاك شيء يعطيه إياه
، ولا في بيت مال المسلمين ما يكفي ، فقال له : انتظر يا أخا العرب لعلَّ الله
تعالى يؤذن بالفرج . فقلت لنفسي : يا زيد هذه فرصة ذهبيّة فاغتنمها ، لتختبر حلم
رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فدنوت منه فقلت :
يا محمد إن رأيتُ أن تبيعني تمراً معلوماً من بستان بني فلان إلى أجل كذا وكذا (
وكان تمرهم معروفاً بجودته ) فقال :
(( لا ، يا أخا يهود ، ولكنْ أبيعك تمراً معلوماً إلى أجل محدود معروف ولا أسمي
بستان بني فلان )) .
فقلت : نعم . فبايعني وأعطيتُه ثمانين ديناراً ، سرعان ما أعطاها لذلك الرجل وقال
له : انطلق إلى قومك راشداً عسى الله تعالى أن يخفف عنهم . .
استدان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليخفف عن الناس ، ويقضي حوائجهم ،
ويعينهم على نوائب الدهر ، وهكذا القائد يسعى إلى خدمة مرؤوسيه ويسهر على مصالحهم ،
ويجهد نفسه ليراهم في موقف مريح ، وحياة طيبة ، أما من يستغل منصبه ليملأ خزائنه
ظلماً وعَدْواً ، ويمتص قوت شعبه ، ويفرض عليهم ما يثقل كاهلهم ، ويرهقهم ، ليفوز
بالمال ويغنى على حسابهم دون أن يأبه لهم ، لصٌّ لا خير فيه ، ومجرمٌ لا فرق بينه
وبين قطّاع الطرق .
قال زيد : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة ، خرج رسول الله ـ صلى الله
عليه وسلم ـ في جنازة رجل من الأنصار ، ومعه أبو بكر ، وعمرُ ، وعثمانُ ، في نفر من
أصحابه ، فلما صلى على الجنازة أتيتُه ، فأخذت بمجامع ثوبه ونظرتُ إليه متصنِّعاً
الغلظة والجفاء ، ثم قلت : ألا تقضي يا محمد حقِّي ، ها قد مرَّ الأجل ولم تلتزم
بوعدك فيه ؟ فوالله ما علمتكم ـ يا بني عبدالمطلب ـ لسيّئي القضاء ، مُطـْلاً ،
ورأيته وقد أثرت جبذة الرداء في عنقه ، ولم ينبس حتى ذاك الوقت ببنت شفة .
فتحرَّك عمرُ وعيناه تدوران من الغيظ ووجهه محمرٌّ من الغضب واستَلَّ سيفه قائلاً
:
أيْ عدوَّ الله أتقول ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ؟ خلِّ عنه ، فوالذي
بعثه بالحقِّ لولا العهدُ الذي بيننا وبينكم - معشر يهود - لضربتُ بسيفي رأسك .
ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ينظر إلى عمر بسكون وتبسُّم فقد كان عمر بلسماً
لجراحات المسلمين مدافعاً عنهم خادماً لهم ، أفلا يكون كذلك لسيده وسيدهم جميعاً
محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ !
قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ معلماً عمرَ ومعلماً إياي ومَنْ كان حاضراً
: (( يا عمر أنا وهو إلى غير هذا منك أحوج .
أن تأمره بحسن الاقتضاء ، وتأمرني بحسن القضاء ، اذهب يا عمر إلى بيت مال المسلمين
، بزيد بن سعنة فاقضه حقه ، وزده عشرين صاعاً مكان ما روّعْتَه وأفزعته .
ما هذا الخلق العظيم والحلم الواسع والهدوء الرائع ؟! والله ما يكون هذا إلا لنبي
، وإن محمداً لهو رسول الله حقاً وصدقاً ، وانطلق بي عمر ليعطيني حقي وهو واجد
عليَّ ، لكنّه لا يملك إلا التزام أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلما
وصلنا قال لي : هذا حقك يا رجل ، فخذه ، لا بارك الله لك فيه .
قلت : (( بل إنه سبحانه بارك لي فيه . أتدري يا عمر ؟ )) .
فنظر إليَّ دهشاً وقال : وكيف ذلك يا يهوديَّ ؟
قلت : يا عمر ، كل علامات النبوّة قد عرفتُها في وجه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
، إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدّة الجهل عليه عليه إلا
حلماً ، فقد اختبرته بهما ، فاشهد يا عمر أني قد رضيتُ بالله رباً وبالإسلام ديناً
، وبمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبياً ، وإني أشهدك يا عمر أن هذا التمرَ وشطرَ
مالي ( نصفه ) إلى فقراء المسلمين .
واعتنق عمر زيد بن سعنة أخاه في الإسلام واعتنق زيدٌ أخاه عمر في الإسلام .
وأسلم أهل بيته إلا شيخاً كبيراً غلبت عليه الشقوة .
اللهم صلّ على حبيبك رسول الله واحشرنا في زمرته المباركة ، وشفـّعْه فينا ... يا
أكرم الأكرمين ..

|