الصفحة الرئيسة    تعريف بالرابطة   أعضاء الرابطة    جديدنا      محرك بحث
 

شعر

نثر فني
قصة
رواية
مسرحية
مقالة
خاطرة
خطبة
قضايا
أدب عالمي
أدب رحلات

حديث الروح

نقد أدبي
عرض كتاب
تراجم
مقابلات
فنون
قطوف
برقيات أدبية
واحة الإخاء
كاريكاتير
ساحة حرة
أرشيف كلمة

خدمات الموقع

 
أخبر صديقك
مواقع صديقة
اتصل بنا

القائمة البريدية

   
 

نقد أدبي > جابر قميحة

جابر قميحة :

أبعاده الفكرية والنفسية وتوجهاته الشعرية

أ.د/ جابر قميحة

gkomeha@gmail.com

الباحثة: أسماء السيد مصطفى شكر

المدرسة المساعدة

بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية

تعددت عطاءات الدكتور جابر قميحة الفكرية والدعوية  وتنوعت إسهاماته الأدبية والنقدية ، وما جاء هذا التنوع الإنتاجى إلا ثمرة طيبة لتنوع مواهبه وتعدد جوانب شخصيته ؛ فهو شاعر مفوه ، وناقد متمكن ، وداعية مثابر ، وكاتب من طراز خاص ، له إسهاماته القيمة فى ميادين متعددة ، فى الشعر والنثر والنقد والسياسة والدعوة .

فهو شخصية ذو عقلية موسوعية ، منهومة بالقراءة ، متعددة الأبعاد والجوانب :

لها جانبها السياسى :

فهو أحد أهم مفكرى ودعاة جماعة الإخوان المسلمين فى مصر ، عمل لأكثر من ستين عاماً فى صفوف الجماعة ، وقد بدأ مشواره معها منذ العاشرة من عمره ، حين رأى الإمام حسن البنا للمرة الأولى والأخيرة فى مدينة المنزلة فى مسيرة منتظمة حاشدة تضم مالا يقل عن  خمسمائة رجل وقد أخذ يخطب فيهم والجميع ينصتون  إليه وكأن على رؤوسهم الطير .

وقد تركت هذه الخطبة أثراً عميقاً فى نفسية كاتبنا ومثلت البدايات الأولى لتسرب حب الإمام البنا إلى نفسه وإعجابه الشديد به .

وبتقدم العمر تدعمت رؤية القلب المحب المستجيب برؤية العقل الدارس الواعى ، ومن خلال ثروة من المشاهد والأفكار والأدلة والأسانيد ارتسمت شخصية الإمام البنا فى فكر وعقل ووجدان كاتبنا ، فكان يمثل فى حياته ، بل وفى حياة العالم الإسلامى – كما يقول الدكتور جابر قميحة – الرجل الأمة ([1]).

وقد أثمرت تلك الصلة الروحية بين كاتبنا والإمام البنا العديد من المقالات والكتب التى كتبها الدكتور جابر من منطلق حبه واعتناقه لفكر وسياسة الإمام ، فكان  من أهم هذه الكتب : " الإمام الشهيد حسن البنا بين السهام السوداء وعطاء الرسائل " و " الملامح الفنية والجمالية فى أدبيات الإمام الشهيد حسن البنا " ، و" التاريخ الأدبى للإخوان المسلمين ( 1928- 1948 ) .

هذا بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات الموضوعية الهامة فى الكشف عن فكر ومنهج الجماعة ، والدفاع عن سياستها ، وإدحاض أباطيل أعدائها ومعارضيها بالأدلة الدامغة والبراهين الساطعة على شرف غايتها ونزاهة مقصدها .

وعلى قائمة اهتمامات كاتبنا السياسية يجئ حرصه على معايشة قضايا أمته العربية والإسلامية السياسية منها والاجتماعية رصدًا ومعالجةً وتعقيبًا ونقدًا .

 ولعل أهم ما يميز الموقف السياسى للدكتور جابر هو الصدق والجدية والشجاعة الجهورية التى لا تعرف الهمس ، والرؤية الواضحة التى لا تعرف المواربة ، والاعتداد بالرأى والذود عنه بكل ما أوتى من طاقات وقدرات ، ولا أدل على ذلك من مقالاته السياسية الساخنة التى أسمعت العالم به والتى تتسم بالقوة والجرأة فى الحق والشدة على المنافقين والظالمين أيّاً من كانوا وأينما كانوا ، هذا بالإضافة إلى عشرات القصائد التى يحمل فيها على الأنظمة الاستبدادية القائمة والحكام الظالمين ويكشف النقاب عما يكتنف حياتنا السياسية والاجتماعية من أغلاط ومغالطات وخيانات وعبث ، متطلعاً إلى مستقبل نظيف متحرر منضبط بضوابط الشريعة فى كل مجالات الحياة.

 ولها جانبها الفكرى :

فالدكتور جابر صاحب عطاء غامر ممتد ، وجهاد موصول الحلقات فى الفكر والدعوة الإسلامية ، وهو – دون منازع – كاتب مجاهد وداعية مثابر ، وجندى من جنود الدعوة الإسلامية فى هذا العصر ، وهو – بلا نزاع أيضاً – رجل من رجالات الأمة الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره ، جعل قلمه وقفاً لله تعالى ، وسخر كل وقته للشعر والنثر بأشكالهما المختلفة من أجل القيام بحق جهاد الكلمة وخدمة قضايا أمته ([2]).

وله فى حقل الدعوة جهود مثمرة لا يمكن تجاهلها ، فهو من أكثر المفكرين عناية بالثقافة الإسلامية المعاصرة ، وهو المعنى بتبصير الشباب المسلم بآثار التنصير والاستشراق ومؤامراته وذلك من خلال كتابه " آثار التبشير والاستشراق على الشباب المسلم " وهو المعنى بالدفاع عن العربية وبيان المخاطر التى تحدق بها ولا سيما من تأثيرات وسائل الإعلام المختلفة ، يشهد لذلك مؤلفه " أثر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فى اللغة العربية "

وهو المعنى بالتأصيل للمعارضة فى الإسلام بين النظرية والتطبيق وفى هذا الصدد ألف كتابه " المعارضة فى الاسلام بين النظرية والتطبيق "

وهو المعنى بتأمل سيرة المصطفى r والتقاط ما يفيد المسلمين من قطوف حدائقها كما صرح بذلك فى مقدمة كتابه " فى صحبة المصطفى r "

وهو المهموم بقيم الأمة وتحرير المداخل لها وضبطها ، وفى هذا أصدر مؤلفة " المدخل إلى القيم الإسلامية " ، هذا بالإضافة إلى عدد كبير من المقالات التى يكشف من خلالها عن فكر جماعة الإخوان وسياستها وافتراءات أعدائها وأباطليهم .

ولازال الرجل – أطال الله بقاءه – يواصل عطاءه فى رحاب الدعوة الإسلامية إيماناً منه بأهمية الرسالة التى سخره الله للعمل من أجلها .

ولها جانبها النقدى :

فهو ناقد رسالى يؤمن بأن النقد أمانة يجب أن تؤدى بعدل وإنصاف فى امتداداتها الإنسانية والأخلاقية والعلمية ، بحيث يكون التفريط فيها خطيئة لا مجرد خطأ ([3]).

وينتهج ناقدنا فى النقد منهجاً وسطياًَ يقوم على الموضوعية العادلة وينشأ من التأنى فى النظر إلى الآثار الأدبية وشمولية النظر إليها ، بعيداً عن التعسف أو التطرف النقدى .

وهذه الموضوعية التى بنى عليها الدكتور جابر منهجه النقدى تتخذ مفهوما خاصًا يختلف عما درج النقاد على إطلاق هذا المصطلح عليه ، فليست الموضوعية عنده مصطلحًا مقابلاً للذاتية أو الغنائية أو التأثرية ، كما أنها ليست مرادفاً للحياد كما يستعملها كثيرون من النقاد ، وهو استعمال خاطئ وغير دقيق ؛ لأن الموضوعية قد تكون مع الحياد ، وقد تكون عليه ، مع الأخذ فى الاعتبار أن المقصود بالحياد ألا تكون " مع " وألا تكون " على " بصرف النظر عن المادة المنقودة .

وإنما المقصود بالموضوعية – فى التعامل النقدى - : الالتزام الكامل بأخلاق الناقد كما يجب أن تكون ، ومن أهم هذه الأخلاق : التعامل مع المادة المنقودة – أدبياً كانت أو أدباً – لذاتها ، مع التجرد الكامل من هوى النفس ، ونوازع العاطفة ، ودون الاستجابة لمؤثرات أو ضغوط سياسية أو اجتماعية أو أدبية أو شخصية لتوجيه النقد وجهة معينة وصبغه بصبغة التيار السائد المهيمن أياً كانت صورته ([4]) .

والموضوعية بهذا المفهوم ترفض الانطباعية أو التأثيرية بمفهومها الحاد الذى طرحه الكاتب الإنجليزى " وليم هازلت ( 1778- 1830 ) فى قوله : " أقول ما أفكر ، وأفكر فيما أشعر ، ولا أستطيع أن أمنع نفسى من أن تتأثر بأنواع من التأثر تجاه الأشياء ، وعندى من الهمة ما يكفى للتصريح بها كما هى " ([5]) .

وذلك لأن التأثرية بمفهومها الحاد تستمد كيانها – بصفة أساسية – من الذوق الخاص ، كما أن الأحكام التأثرية أحكاماً منفوشة تعوزها الدقة والتماسك ، كما أنها فى الغالب غير مبررة لا تتجاوز عبارات الاستحسان أو الاستهجان ، وغالباً ما تقود إلى التطرف النقدى .

والموضوعية – أيضاً – ترفض النظرة الجزئية الجافة ، كتقييم النص على أساس مضمونه الفكرى فحسب ، أو على أساس أدائه التعبيرى فقط .

كحكم النابغة على بيتى حسان بن ثابت المشهورين :

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى

 

 

 

وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

 

ولدنا بنى العنقاء وابنى محرق



 

فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنا

قال النابغة لحسان حين احتكم إليه : أنت شاعر ، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك ، وفخرت بمن ولدت ، ولم تفخر بمن ولدك ([6]) .

وبعيدًا عن التأثرية المطلقة والنظرة الجزئية الجافة تستقيم الموضوعية بمفهومها الصحيح قائمةً على ركيزتين :

الأولى : هى الذوق الفنى الرفيع الذى ينهل من موهبة فطرية وتجارب ذاتية وإطلاع واسع المدى على مأثور الأدب والنقد .

والثانية : القواعد الفنية التى تستمد من خبرة لغوية وبلاغية ورصيد فكرى وقدرة على الإفادة من القواعد والنظريات المختلفة فى نقد الأثر الأدبى ([7]) .

المبادئ أو الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الموضوعية:

 وعلى الناقد أن يأخذ نفسه بعدد من المبادئ لا تتحقق الموضوعية إلا بها وأهمها :

1- عدم الانبهار بالأسماء المتوهجة أيًّا كانت درجتها من التوهج والشهرة والمعرفة ، وأن يكون تعامل الناقد مع إبداعات المشاهير كتعامله مع إبداعات المغامير ، أى يتعامل الناقد مع الإبداع ، لا المبدع ، إلا إذا كان للمبدع على إبداعه بصمات شخصية مميزة .

2- شمولية القراءة والتمحيص ، فالقراءة الجزئية لبعض إبداع الأديب والاعتداد بما كتبه الآخرون عنه لا يقود الناقد إلى حكم صادق حاسم .

3 – الالتزام بمرحلية الرأى أو الموقف أو الإبداع ، وعدم الانطلاق من هذا الخاص المحدود إلى التعميم.

4 – أن يكون تقييم إبداع الأديب فى مظلة إبداعاته الأخرى فلا ينظر إليه معزولاً عن غيره من إبداعات هذا الأديب ؛ لأن بعضها يتأثر ببعضها الآخر ، بل قد يتولد عنه .

ويرتبط بهذا المبدأ ضرورة التعرف على الترتيب الزمنى لإبداعات الأديب ، للتعرف على تطوره النفسى من ناحية ، وتطوره الفكرى والعقدى من ناحية أخرى .

5 – استبطان الأثر الأدبى ، وتعمقه واستقصاء كل جزئياته دون اكتفاء بسطحه الظاهر .

6 – الحذر الشديد من خداع النصوص ، ومن ثم كان على الناقد ألا يعطى النص أكثر من قيمته ولا يحمله من الدلالات ما يعجز عن حمله . ([8])

هذه هى أهم ملامح المنهج النقدى لناقدنا قميحة الذى أقامه على الموضوعية بمفهومها الصحيح ، بكل ما تتطلبه من لوازم وسمات ، وقد أخذ نفسه بها فى دراساته النقدية،وتجلت هذه الملامح من خلال إبداعاته النقدية التى أتحف بها الساحة الأدبية والنقدية والتى صدرت فى شكل كتب نقدية ، وفى طليعتها كتابه الرائد " الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف " الذى بدأه بالتنظير الذى يحدد – بلا جمود – خطوط الموضوعية العادلة التى ينبغى أن يقوم عليها النقد وأهم ملامحها وسماتها ، وكذلك أبعاد التطرف النقدى ومزالقه وأخطاره ، ثم جاءت الدراسة التطبيقية بعد ذلك استجابة وتطبيقاً عملياً لما جاء فى صدر الكتاب على سبيل التنظير ، فتناولت الدراسة شخصية عزيز أباظة ، وكشفت عما يتمتع به من استقلالية أدبية ، كما عالجت الدراسة آثارًا إبداعية لمحمد عبدالمطلب ومعروف الرصافى وحافظ إبراهيم والحسن عواد وعلى الفقى وأمل دنقل .

وجاء الفصل الأخير – وهو أهم فصل فى الكتاب – ليمثل معركة أدبية بين ناقدنا وبين الكاتب الصحفى رجاء النقاش حول كتاب " قصيدة البيت الواحد " للكاتب الليبى خليفة محمد التليسى، والتى تعد مواجهة حقيقية بين التطرف النقدى ، والموضوعية العادلة التى أخذ بها ناقدنا نفسه وارتضاها عنوانا عاماً لمنهجه النقدى .

ومن الكتب النقدية التى جاءت تحمل ملامح منهجه النقدى – أيضاً - : كتاب " أدب الخلفاء الراشدين " و " أدب الرسائل فى صدر الإسلام " و " صوت الإسلام فى شعر حافظ إبراهيم "و ومنهج العقاد فى التراجم الأدبية " " والملامح الفنية والجمالية فى أدبيات الإمام الشهيد حسن البنا و" التاريخ الأدبى للإخوان المسلمين (1928- 1948) " .

كما تتجلى ملامح منهجه النقدى – أيضاً – من خلال مقالاته النثرية ومقدمات بعض الدواوين الشعرية ، والتى تنوع النقد فيها ما بين :

نقد تقويمى :

يقوم به الأعمال الإبداعية لعدد من الشعراء على أساس من الموضوعية العادلة، وبناءً على النظرة الشمولية الفاحصة ، بعيداً عن التعسف أو التطرف النقدى .

ونقد توجيهى :

يتعهد به البراعم ويوجهها ويرشدها حتى تستوى على سوقها ويقوى عودها ، مثل وقفاته التوجيهية مع عدد من الشعراء الفلسطينيين فى سلسلة من الكتابات النقدية بعنوان " فلسطين مأساة ونضالاً فى شعر الشباب .

وتجدر الإشارة إلى أن ملكة النقد تلاحق ناقدنا فتفرض نفسها عليه حتى فيما كان إبداعاً خالصاً ، فلا تكاد قصيدة من قصائده تخلو من نوع من النقد أو التوجيه سواء أكان نقداً أدبياً أم سياسياً أم اجتماعياً ولو بطريقة غير مباشرة .

ولنضرب مثالاً على ذلك بمقطوعة له من قصيدته التى هى بعنوان " عقدى مع الله " والتى أنشدها فى الحفل الذى أقامه نادى المنطقة الشرقية الأدبى بالمملكة العربية السعودية لتكريمه وتوديعه، والتى تولى فيها الرد على دعاة الحداثة ونقد وانكار ما يسمونه " بقصيدة النثر " ، بل والتأكيد على أنها - أى قصيدة النثر – هى التى تنكر نفسها وتحمل فى كيانها بذور فنائها لأنها تحمل التناقضية العاتية ابتداءً من اسمها ، فالقصيدة كما هو معروف يجب أن تكون شعراً له جرسه وموسيقاه ، والنثر .. نثر بلا وزن ولا قافية ، فكيف يكون لهذا النثر قصيدة ؟ !

فهل يصح  شكلاً وعقلاً أن  نقول ( ظلام النور ) أو نقول ( ذكاء الغبى ) أو نقول ( إيمان الكافر ؟! هذا فضلا عما تتسم به من غموض مظلم ، أو تكشف داعر .

فلا شك أن هذه البدعة تعد تدميرا لقيمنا الشعرية وتراثنا الفكرى ، وتحللاً من اللغة والقيم ([9]).  وفى تجسيد هذه المعانى يقول الدكتور جابر :

وفيت بعقدى الميمون
فأخرست الألى " ماءوا "
لقد كتبوا ، وقد نظموا
ويقطر بالهراء المر
وكان العهن منفوشاً
وداسوا – كيفما شاءوا -
وقالو شعرنا الأبقى
مضوا .. لا نحو .. لا لغة
رأوها – بالهوى – قيداً
فقلنا ذى متاهتكم
هى الفوضى كما شاءوا
فما منه سوى زبد
فكيف يقوم إبداع
قواعد تحكم الفنا
يشد القلب إذ يشدو
وسر بقاء دنيانا

 

 

فى عزم أبى يثنى
قطاطاً تزعمُ الفنا
فكان نتاجهم عفنا
فى لفظٍ ، وفى معنى
ألا أبئس به عِهنا !!
تراث الأمة الأسنى
فلا نحتاجُهُ .. الوزنا
ولا طعما ، ولا لونا
يعوق الفن .. بل سجنا
بها     تهتمْ ، وماتُهنا
وسموا ما عثو  فنا
وما يستوجب اللعنا
بغير ضوابطٍ تُقنى ؟
فيمضى فى الورى لحنا
ويسحرنا إذا غنى
ضوابطُ تحكمُ الكونا(
[10])

 

ولها جانبها النفسى :

وفيما يخص الجانب أو البعد النفسى لكاتبنا : فقد عرف بالحيوية والشباب الدائم وخفة الروح وطلاقة اللسان ، وقوة الحجة ووضوح البيان ، والانتصار للقيم والمبادئ الإسلامية والعربية الراسخة، هذا بالإضافة إلى تمتعه بالتواضع والسماحة ودماثة الخلق . هذا ما لهجت به ألسنة محبيه فى حفل توديعه بنادى المنطقة الشرقية بالرياض ، حيث قال الشاعر حسن العمرى – أحد طلابه- مودعاً إياه :

نفسى تزف سلامها وثناءها

 

 

فى موقف تبكى العيون بكاءها

 

تبكى المحبة والسماحة والندى

 



 

يا من حملت مع الزمان لواءها([11])

 

 والدكتور جابر – فضلاً عن ذلك – صاحب خلق كريم وأدب عالٍ ، يشعرك وأنت معه – وهذا مالمسته عن قرب – كأنه تلميذ وأنت الأستاذ ، ويخجلك عند الحديث من تواضعه أمامك ورفعه من مقامك ، أو عندما يعطيك كأنك المعطى وهو الآخذ ([12]) ، فكأن الشاعر عناه بقوله :

تراه إذا ماجئته متهللاً

 

 

كأنك معطيه الذى أنت سائله

 

فلو لم يكن فى كفه غير روحه

 

 

لجاد بها فليتق الله سائله

 

هو البحر من أى النواحى أتيته

 

 

فلجته المعروف والجود ساحله

 

 

ولعل أهم ما يميز شخصية الدكتور جابر هو جرأته غير المعتادة ، تلك الجرأة التى أسمعت العالم به من خلال مقالاته الساخنة التى ينشرها فى العديد من الصحف وعبر مواقع كثيرة على شبكة الانترنت ، هذا بالإضافة إلى ترجمة عدد من كتبه وانتشارها فى بعض دول الغرب ومن ذلك كتاب :

" أدب الخلفاء الراشدين " و" المعارضة فى الإسلام بين النظرية والتطبيق " و " المدخل إلى القيم الإسلامية " و " الإمام الشهيد حسن البنا  بين السهام السوداء وعطاء الرسائل " .

 وفيما يخص الأسباب الكامنة وراء تلك الجرأة غير المعتادة ، فقد صرح الدكتور جابر بأن هذه الجرأة جاءت وليدة أمرين :

الأمر الأول : هو اعتناقه الأيد لوجية الإسلامية فى طابعها الإخوانى العتيد .

والأمر الثانى : هو إصراره على قول كلمة الحق وإيمانه العميق بأن الكاتب أو الشاعر صاحب رسالة، وأن الكلمة  من أهم آليات هذه الرسالة ، وأن الكلمة بالنسبة للكاتب والشاعر عرضه وشرفه ، فلو فرط فيها أو تهاون كان كمن تنازل عن عرضه .

وقد دلل الدكتور جابر على هذا المنحى الجسور فى حياته من خلال معاركه الأدبية الضارية مع رجاء النقاش ، وعبدالله الحامد ، وخليفه التليسى ، هذا بالإضافة إلى حلقاته الثمان التى وجهها للقائد الليبى معمر القذافى تحت عنوان" إلا القصة يا مولاى " وعندما حذره أحد الناس من الوقوف أمام القذافى أجابه الدكتور جابر بإيمان راسخ ويقين لا يعرف الشك وعقيدة لا تعرف التزعزع قائلاً : " إننى أقل من أن أموت شهيداً فى سبيل الله .. ونحن جميعاً نعلم حديث رسول الله r " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه فقتله "([13]) .

وهكذا كان قميحة ومازال شخصية فذة مطبوعة على العزة والإباء والشموخ والجرأة فى الحق والشدة على الاعتداء ، مع تميز واضح بعذوبة المنطق وروعة الأداء ، والالتزام بمنهج الله وسنة رسوله، ومن أروع القصائد التى جسدت الكثير من هذه الملامح الفكرية والنفسية للدكتور جابر قصيدة نظمها المهندس طه الشبينى بعنون " تحية إلى الدكتور : جابر قميحة " يقول فيها :

ليث يزود عن الحياض ويدفع

 



 

ولسان صدق بالحقيقة يصدع

 

ومهابة فى حسن سمت آسر


 

 

وشموخ نفس لاتنى أو ترجع

 

وجمال تبيان ، وروعة منطق

 

 

كالدر يخلب إذ يضئ ويسطع

 

رجل بألف .. إذ تراه تظنه(الـ

 

 

قعـقاع) إذ يرمى العداة ويصرع

 

 

ولسان (حسان ) بوابل شعره

 

 

أمضى من الأسياف إذ هى تقطع

 

إن قال أصغى السامعون .. فقوله

 

 

عذب كماء المزن .. بل هو أنفع

 

لكنه البركان يزجى وابلا

 

 

حمما ترد المارقين وتقمع

 

منهاجه القرآن .. ذا نبراسه

 

 

يهديه فى درب الحياة .. فيتبع

 

وعلى خطى طه يشد رحاله

 

 

فهو الحبيب لدى المهيمن يشفع

 

يمضى مع الإخوان ينشر فقههم

 

 

إذ فهمهم للدين : فهم واسع

 

للدين والدنيا يعم .. فما انزووا

 

 

هجراً لدنيا .. أو لدين ضيعوا

 

ضحوا على مر الزمان .. فلم يهن

 

 

عزم لهم أو عن سبيل أرجعوا

 

صرح بنى ( البنا ) فعز بناؤه

 

 

ورباطه للمسلمين يجمع

 

لا فضل إلا للتقى .. فجمعنا

 

 

عبدُ لباريه يذل ويخضع

 

يا شيخنا يكفيك ما بوئته

 

 

فالقلب مسكنه وفيه الموضع

 

ولساننا لهج بذكر كفاحه

 

 

وبياننا بقطوفه يترصع

 

نقتات غرفا من فيوض علومه

 

 

ويهزنا الأدب العلى الأرفع

 

فاقبل وإن نأت الديار تحية

 

 

عطراً يطيب عبيره يتضوع

 

أودعتها الأبيات .. فهى أمانة

 

 

عزت .. وأنت الحافظ المستودع([14])

 

ولها جانبها الأدبى :

فالدكتور جابر واحد من أبرز الأدباء الإسلاميين الذين يخاطبون ضمير الأمة ، ويعنون بمعايشة واقعها ، وتصوير معاناة شعوبها فى شتى أرجاء الوطن العربى والإسلامى .

وهو مصنف كذلك ضمن أبرز أعضاء رابطة الأدب الإسلامى العالمية ، وأعلاهم صوتا ، وأطولهم باعا ، وأكثرهم حنكة ، وأظهرهم مكانة وأوسعهم شهرة ، وأغزرهم إنتاجاً وتأليفاً ، وأعذبهم حديثا ، وأهجاهم لخصوم الرابطة ، وأغناهم عن التعريف .

      وقد ارتضى شاعرنا فى مسيرته الإبداعية الاتجاه الإسلامى عنواناً عاماً لتوجهاته الشعرية : يصدر عن الروح الإسلامية وينطلق من المبادئ الإسلامية فى موضوعاته ومعالجاته الفنية ، ويدعو إلى الالتزام بالقيم الإنسانية والعمل على خلق بناء قوى متين يراعى هذه القيم فى مجال السياسة والاجتماع والتربية وغير ذلك ، ويرفض فى قوة كل ما يخالف القيم الإسلامية والإنسانية .

      وقد جاء هذا الاتجاه وليد إيمانه الشديد " بأن الأدب الإسلامى ضرورة من ضرائر المواجهة والتصدى للآداب المدمرة المخربة التى حاولت وتحاول اختراق المجتمعات العربية والإسلامية ، بل ونجحت – للأسف - فى هذا الاختراق إلى حد كبير " ([15])

وقد خاض الدكتور جابر مجال نظم الشعر بأشكاله المختلفة : العمودى منه وشعر التفعيلة ، وكتب القصيدة الغنائية ، والمسرحية الشعرية ، والمطولة الدرامية ، ونسج الشعر فى أغراض متعددة. وقد تعددت الأغراض التى قال فيها الشعر تبعاً لتعدد منطلقات الرؤية الشعرية عنده ، فهى تنطلق من عدة منطلقات وهى :

- نظرته الإيمانية إلى الكون والحياة والإنسان .

- المنطلق الثورى .

- منطلق الشعر رسالة ([16]) .

وفى رحاب المنطلق الأول والذى يدور حول نظرته الإيمانية إلى الكون والحياة والإنسان نظم الدكتور جابر شعراً فى التأمل فى الطبيعة واستجلاء أسرارها التى تذهل العقول وتزيد المرء إيماناً وقوةً فى العقيدة ، لكن هذه المعانى لم ترد فى قصائد مستقلة ، وإنما جاءت فى قصيدة له بعنوان " سلاماً يا أغادير "([17]) والتى يقول فيها :

فقلتُ : وكيف لا أمضى

 

 

وها هى ذى " أغادير "

 

تنادينى .. وتدعونى

 



 

بصوت فيه تعطير ؟

 

هى الحسناء ، منها الحسـ 

 

 

ـنُ مفتون ومسحور

 

كستها الحلةُ الخضرا

 



 

ءُ ، والتاجُ الأزاهير

 

وغنَّت سحرها الفتًَّا

 

 

نَ فى اللقيا المزاهير

 

ترقص دوحَها سحراً

 

 

وماس كأنه الحور

 

كمن طافت به رؤيا

 



 

وشدَّته الأساطير

 

ومن يغفل عن الحسنا

 

 

ءِ أعمته الدياجير ([18])

 

كما نظم الشاعر فى رحاب هذا المنطلق أيضاً – شعراً فى التأمل فى أحوال بنى البشر واختلاف مسالكهم ، ومن ذلك قصيدة له بعنون " شمس من المغرب " تولى فى أجزاء منها التفريق بين نوعين من الأدباء : أولهما : الاديب الحق ، عزيز الجنى والجناب ، الذى لا يعرف الذل أو الهوان ، ولا يخشى فى الحق لومة لائم ، وثانيها : دعىّ الأدب ، أديب الهوى والهوان الذى باع دينه بدنياه طلبا لرضى أصحاب النفوذ والسلطة ، فكان مما جاء فى هذه القصيدة :

رأيت أديبين فى سُوقها

 

 

نقيضين : طوْداً وقاعاً مهيلاً

 

أديبًا أميناً حفيظاً أصيلاً

 



 

وآخر فى الفن غِرَّا .. دخيلا

 

أديبًا عزيز الجنى والجناب

 

 

أبَى أنا يهادن أو أن يميلا

 

تزول الجبال .. ولا ينحنى

 



 

ويأبى بإصراره أن .. يزولا

 

فعزته تستمد الإله

 

 

وقرآنه والهدى والرسولا

 

سلاحاه قلب نبىُّ الشعور


 



 

عطاياه تهمى فتحيى المُحولا

 

وثانيهما القلم العبقرىُّ

 

 

إذا ما انبرى كان سيفا صقيلا

 

فبالحق يغدو قليلٌ كثيراً

 

 

وبالبغى يُمسى كثيرُ .. قليلا

 

وتشهدُ فيها الظلوم العتىَّ


 



 

بما قد أعد ضئيلاً .. ضئيلاً

 

وأما أديب الهوى والهوان

 

 

فيمضى .. ويمضى يدقَُّ الطبولا

 

ويلعق أحذية المنعِمين

 



 

ويطوى الموائدَ عرْضاً وطولاً

 

فغاية غايته أن ينال

 

 

من الأدعياء الرضى والقُبولا

 

ويحيا حياة الخسيس اللئيم


 




 

بغيًّا.. دعيًّا .. مهينًا .. ذليلا

 

ولا تسألنه عن المكرمات


 

 

فقد صيَّرتْها الدنايا .. طُلولاً ([19])


 

 كما كانت للدكتور جابر – فى رحاب هذا المنطلق الايمانى – أشعار كثيرة فى الدعوة إلى التمسك بأخلاق الإسلام والالتزام بالمنهج الربانى الذى يدعو إلى التحلى بالخلاق الفاضلة ، ويبرأ من لابسى قناع النفاق والذل والهوان طلبا للعيش الهانئ والحياة الهادئة كقصيدته التى هى بعنوان " عزة المسلم " والتى يقول فى مقطوعة منها :

لا تقل " مسلمٌ " ، فمن باع طوعًا

 

 

دينه فى الهوى السقوط السحيق

 

زاحفاً لاعقًا يدًا لطمته

 

 

لم يكن غير مارقٍ .. زنديقِ

 

عزَّ من عاش فى الحياة كريمًا

 

 

وهواه الأبى فى التحليقِ

 

وحِّدِ الله لم تعُد بصديقى

 

 

فطريق النفاق ليس طريفى

 

والمنايا ولا الدنيا نشيدى

 

 

وصلاتى فى مغربى وشروقى

 

والمعانى الكبارُ والعزة القعـ

 

 

ساء أمى ومهجتى وشقيقى([20])


 

كما كانت له أشعار فى الدعوة إلى العودة إلى شريعة الجهاد حتى يتحقق لنا إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة ، وهو فى سبيل التحريض على الجهاد ، واستنهاض الهمم من أجله يسوق النماذج التى توضح الفرق بين حال الأمة فى ظل الرعيل الأول ، رعيل الفتوحات الذى رفع راية الجهاد لإعلاء كلمة الحق ، وبين حال الأمة اليوم بعد أن استكانت للضعف والذل والهوان وودعت الجهاد وضربت بسِيَر المجاهدين عرض الحائط فتداعت عليها الأمم واستباحت أرضها ومواردها ، ومن ذلك قوله فى قصيدة له من أروع ما نظم بعنوان " حديث عصرى إلى أبى أيوب الأنصارى "

يا أبا أيوبَ والإسلامُ قربى وانتساب

 

قد أتيناك ففى اللقيا اغتنام واكتساب
اكتساب

نتملى أرضَ مجدٍ يزدهى فيها الخطاب

 

يا كريماً ضاف خير الرسْلِ ، يا طبت وطابوا


 

ناخت القصواء([21]) فى رحبك يا نعم الرحاب 

 

قد قصدناك ضيوفاً ولنا فيكم رِغاب ([22])

 

نيرات القصد لا منها طعام أو شراب

 

أو هوى ليلى ولبنى ، أو سعاد أو رباب

 

إنما جئناك تحدونا بطولات عُجاب

 

ذكريات فى فم الدنيا هى المسك المذاب

 

حين كنتم بلمساً ([23]) فى السلم صفوا لا يُشاب([24])

 

ولكم فى ساحة النور بنود وقباب

 

وقلوب ملؤها الرحمة والحب اللُّباب

 

فإذا ما ظُلمَ البرهان أوغيل ([25]) الصواب


 

هِجْتُمُ الهولَ ، فللهول زفير ولُهاب


 

......................................................................

......................................................................

ويح قلبى – يا أبا أيوبَ قد جُنَّ الحسابُ


 

ألفُ مليون بلا قدْرٍ ولا حتى الذبابُ !!


 

بل غثاءٌ كغثاء السيل بالنفح يُذاب


 

......................................................................

......................................................................

يا لَقَومى عن جهادِ القوم قد صاموا وتابوا

 

وأطاعوا من أضلوهم وأغْروْهُمْ فخابوا

 

وأعدوا ما استطعتم قد تولاها الغياب

 

أم ترى الأنفالَ – واذلاه – لم تحوِ الكتابُ ؟


 

أوَ دينٌ غيرُ دين الله لُحْمَاهُ ارتيابُ ؟

 

وانقهارٌ وانهيار وانصهار واضطراب ([26])

 

والشاعر فى سبيل التأكيد على ضرورة العودة إلى شريعة الجهاد يكشف النقاب عن وجه العدوان الغاشم ، فما من عدوان إلا وله مخازٍ ومهازل ارتكبها المعتدون فى حق المعتدى عليهم ، ومن أشد وأنكى هذه المهازل : الاعتداء على الأعراض ، وقد نظم الشاعر أشعاراً كثيرة يصور فيها ما يحدث على أيدى المعتدين من انتهاك للحرمات ، واغتصاب للأعراض ، ومن ذلك قصيدته التى  هى بعنوان " سراييفو الدماء والأعراض"([27]) التى يصور فيها ما يدور فى سراييفو على أيدى الكفرة .

وأيضاً قصيدته التى هى بعنوان " إلى سحر بنت الكويت المشردة "([28]) التى يصور من خلالها مهازل العدوان العراقى على الشعب الكويتى .

وفى رحاب هذا المنطلق – أيضاً - نظم الشاعر العديد من القصائد التى تحيى ذكرى المناسبات الدينية العظيمة ، فكانت له قصيدة فى ذكرى المولد النبوى الشريف ، وقصيدة أخرى فى ذكرى الإسراء والمعراج جعل عنوانها " الإسراء والأطفال والحجارة " يقول فى مطلعها :

وها قد هلت الذكرى


 

عبيراً فاح ريَّاه ...

 

فأصبح جدبها رَوْضًا



 

وشادِى النورِ ضوّاهُ


 

محمدُ يا رُبَى يسْرِى


 

تمَلّى من مُحَيّاهُ


 

فسبحان الذى أسرى


 

به فى ظل نُعماه


 

فما زاغت له رُؤيا


 

وما كذَبَتْه عيناه


 

بمعراج حداه النور


 

فياضا .. ومسراه




 

 

......................................................................

......................................................................

لقد هلَّتْ رُؤَى الذكرى


 

وملء قلوبنا الآهُ


 

وقد نزّتْ جراح القلب


 

مما قد لقيناه


 

فطِرْتُ على جناح الشوق


 

للأقصى لأحْيَاه


 

وها قد جئت يا محراب


 

استدفى بذكراه


 

ودمع الحزن فى الصلواتِ


 

رَوَّانى ورَوَّاه


 

أنا لن أبرحَ المحرابَ


 

حتى يأذنَ الله


 

هنا قد خرَّ للأذقانِ


 

رُسْلُ الله : رباهُ !!


 

وأمّهمُ رسولُ الله

 

يا أعظِم بتقواه !! ([29])

 

وهكذا كان المنطلق الإيمانى ومازال منبعاً خصباً فياضاً لأشعار رائعة ، تكشف عن شاعر إسلامى أصيل .

وفى ظل المنطلق الثورى ، جاء جزء كبير من حصاده الشعرى وليد أحاسيس شاعر شديد التفاعل مع واقع أمته الإسلامية والعربية ، فقد هاله ما حل بالأمة من تمزق وضعف وفرقة وتجرؤ الجبناء وتسلط الأذلاء عليها حتى أصبحت لا تستطيع الدفاع عن نفسها ، " الأمر الذى جعل شعره تنبعث منه روح الجهاد والحث الثورى ، وذلك فى كثير من قصائده ، بل إن الشاعر لانشغاله بواقع الأمة الإسلامية والعربية أنشأ ثلاثة دواوين شعرية هى : "لجهادالأفغان أغنى" و" الزحف المدنس " و  " لله والحق وفلسطين " .

وهذه الدواوين تنبعث عن عاطفة جهادية ثائرة على الباطل لما يحدث ويحل بالمسلمين فى كل مكان ([30]).

وقد جاء ديوانه الأول " لجهاد الأفغان أغنى " ليمثل معايشة إيمانية حقيقية لجهاد الشعب الأفغانى المسلم الذى رفض الذل والخنوع والانحناء ، فهب يقاوم الخيانة والإلحاد والشيوعية ، وجعل جهاده تحت راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله "

وفى سبيل ذلك قدم هذا الشعب الابى مليونين من الشهداء ، ومازال يقدم مزيداً من التضحيات والدماء .

وقد جاءت قصائد هذا الديوان لترصد جميعها الجهاد الأفغانى الذى عاش الشاعر عن كثب منه خمس سنوات([31]) ، هى مدة إعارته بالجامعة الاسلامية بإسلام آباد بباكستان .

ومن أهم قصائد هذا الديوان التى ينبعث منها روح الجهاد والحث الثورى على الثبات على الحق والتمسك بسنة النبى محمد r وأصحابه فى المسيرة الجهادية قصيدة بعنوان " نداء عاجل إلى قادة الجهاد الأفغانى " يقول فيها "

هذا النداء نسجته من مقلتى

 

 

وكتبته بالروح والوجدان

 

ورويته من ماء قلب مخلص

 

 

متعطر بالرَّوْح والريحان

 

ورفعته من بقعة فيها التقى

 

 

والكعبة الغراء والحَرَمان

 

وأمد رُوحى نحوكم بحروفه

 

 

فى لهفة المشتاق والوَلْهان

 

لكنه أصداء قلب حائر

 

 

بين الرجاء وسطوة الأحزان

 

يا قادة الأفغان هاكم صرختى

 

 

يا "يونس" يا " شاه" يا " ربانى "

 

يا إخوتى " سياف " " يا " ابن محمدى "

 

 

يا "حكمتار" وأنت يا " جيلانى "

 

يا " صبغة الله " استفيقوا واسمعوا

 

 

نبض الشعوب بأمة القرآن

 

إياكم والخُلْف بين صفوفكم

 

 

فتذوب ريحكم كعصف وانِ

 

....................................

 

...................................

فتواحدوا يا قادة .. كمحمد

 

 

وصحابه فى بيعة الرضوان

 

حتى يُتمَّ الله نعمة نصره

 

 

ويُحِلَّ لعنته على العدوان

 

فالمسلمون – كما يقول نبينا :

 

 

لن يَسلموا من محنة الخُسران

 

إلا إذا وقفوا بوجه عدوهم

 

 

صفا تَلاحُمُهُ كما البنيان

 

وبنوا علائقهم على صفوا التُقى

 

 

فى وحدةٍ كالجسم للإنسانِ

 

إذْ ما تشكّى منه عضوٌ واحد

 

 

سهرت له الأعضاء فى الجُسمان

 

هذا كتاب الله فاعتصموا به

 

 

هو حبلُ ربى خالقِ الأكوان

 

ومن اسعتان بغيره فقد الخطى

 

 

فى درب ذلٍّ خانع خسران

 

أيوحِّد الإلحادُ صفَّ عدوكم

 

 

عجباً !! وتفترقون بالإيمان ؟!

 

من بعد أن كنتم كياناً رائعاً

 

 

ذا وَحدة صخرية الأركان([32])

 

وأما ديوانه الذى هو بعنوان " الزحف المدنس " فقد جاءت قصائده كلها لتصوير نكبة الكويت بالعدوان العراقى الغاشم فى أغسطس عام 1990م، وقد وصف الشاعر هذا الزحف بأنه مدنس ، لأنه مدنس فى غايته ، إذ لا غاية له إلا الطمع فى ثروة دولة شقيقة ، ولأنه مدنس فى وسائله ، لأنه ارتكب أبشع ما يرتكبه إنسان فى حق إنسان : من إراقة الدماء ، وهتك الأعراض ، وحرق المبانى ، ونهب الأموال ... إلخ .

وهو زحف مدنس لأنه جاء فى وقت كانت فيه جراح الأمة تنزف بغزارة ، وكانت إسرائيل تعربد فى الأرض المحتلة بإجرام ووحشية ، ومئات الألوف من المهاجرين من روسيا ودول الكتلة الشرقية يفدون إليها فى موجات لا تنقطع . ([33]) .

وقد عالج الشاعر هذه النكبة بشئ من التفصيل خلال هذا الديوان ؛ لأنها ليست قضية شعب يعتدى على شعب شقيق  ، ولكنها قضية حق يواجه باطلاً ، ولابد للحق أن ينتصر مهما علا صوت الباطل، وقد حرص الشاعر على رصد هذا الزحف بكل أبعاده وأشكاله ووسائله غير المشروعة ودعاوى مرتكبيه غير المقبوله .

كما رصد الشاعر آثار هذا العدوان المدمرة على الجانبين العراقى والكويتى خاصة ، وعلى العالم العربى عامة ، ولم يفت الشاعر أن يلقى الضوء على شخصية زعيم هذا الزحف وسياسته المغلوطة التى لا يقرها عاقل ، ولا تعرف معياراً ثابتاً ، ومع ذلك يدعى انتسابه إلى النبى محمـــد

 r! ([34]) وقد تم تصوير ذلك كله من خلال أشعار تقطر حزنا وأسى من فيض قلم شاعر غيور على عروبته ودينه ، فكان من أبرع ما جاء فى هذا الديوان قصيدته التى هى بعنوان " صوت المقاومة الكويتية  " والتى يقول فى أجزاء منها :

نهضنا ننفض الأغلا

 

 

ل والصدام والهونا

 

وطلقناك يا دنيا

 

 

طلاقا بائنا بينا

 

لأن الثأر يطلبنا

 

 

وإن هنا فلا كنا

 

وأشهدنا فجاج الأر

 

 

ض سهلا كان أوحزنا

 

بأنا صوت ثأر الام ( م )

 

 

تبكى البنت والإبنا

 

وشهقة طفلها الخنقو

 

 

ه حتى مات ما أنا

 

وأنا صوت هذه النكبـ

 

 

ـبة النكباء قد  رنا

 

بزحف خالص للـ

 

 

ـه إن صلنا وإن جلنا

 

وفى أيماننا الرشا

 

 

ش يضرب كيفما شئنا

 

ويهتك أمن جيشهم

 

 

فيصرخ " مهربى أينا "

 

وقد ضاقت بهم أرضى و نحن

 

 

كأرضنا ضقنا

 

رفعنا غصن زيتون

 

 

فداسوا الحق والغصنا

 

ولم يعنو لصوت العقـ

 

 

ـل بل أبدوا له الأفنا

 

وما احترموا ندا الدنيا

 

 

وما قدروا له وزنا

 

فأقسمنا بألايغـ

 

 

ـمضوا فيها لهم جفنا

 

فإن عاذو بغازهم

 

 

فنحن بربنا عذنا ([35])

 

 وأما ديوانه الذى هو بعنوان " لله والحق وفلسطين " فقد جاء هذا الديوان ليكشف عن موقف الشاعر من القضية الفلسطينية ، تلك القضية التى تمثل قضية هذا العصر ، بل قضية كل مسلم حر ، أبى ، غيور على دينه ومقدساته .

فقد شغلت هذه القضية فكر الشاعر منذ نعومة أظفاره ، وعزز إحساسه بتلك القضية عدد من المواقف تعرض لها وهو طالب بالمرحلة الابتدائية ، منها على سبيل المثال :

1- خطبة لإمام المسجد المجاور لمنزله بمدينة المنزلة وكانت بعنوان " الجهاد فى سبيل الله "، وقد علق بذاكرته من هذه الخطبة بعض عبارات ظلت أصداؤها تتردد فى أسماعه منها :" إن الصهاينة كالوحش الكاسر ... التصدى له فرض ، وقتله مطلوب .. واجب " .

2- حديث أساتذته عن فلسطين وفرضية الجهاد ، وواجب المسلمين نحوها .

3- قراءاته لشعر الشهيد " عبدالرحيم محمود " وخاصة أنشودته التى يقول فيها :

سأحمل روحى على راحتى

 

 

وألقى بها فى مهاوى الردى

 

فإماحياة تسر الصديق

 

 

وإما ممات يغيظ العدى

 

وكذلك قصيدة للشاعر على محمود طه يقول فيها :

      فلسطين تحميك منا الصدور               فإما الحياة وإما الردى .

وهكذا بدأ قلب شاعرنا ينبض بفلسطين حبا وحماسة وإشفاقاً وتدينا ([36]) ، وبدأ قلمه يترجم هذا الحب والولاء بأشعار غير قليلة وهو لم يزل فى المرحلة الابتدائية ، فكان منها قوله :

فلسطين أمى وحق اليقين

 

 

وحق الشهيد غداً تسمعين

 

غداً تسمعين بأنا نسود

 

 

إذا ما حصدنا فلول اليهود

 

وقد قاده حبه لفلسطين إلى محاولة التطوع للجهاد مع الفلسطينيين ، ولكن الاستاذ عبدالرحمن جبر مسئول منطقة المنزلة عن تجهيز المتطوعين رده لصغر سنه ([37]) ، وهكذا تركت هذه الوقائع بصماتها على وجدان الشاعر منذ طفولته ، فكانت مصدراً فياضاً لأشعاره فى رحاب القضية الفلسطينية ، وفى هذا الصدد يقول الدكتور جابر قميحة :

" إنها وقائع عطرت درب طفولتى ، وأنارت أقطار نفسى ، ونقشت اسم " فلسطين " على جدران قلبى ، فكانت – حتى فى المكره والضراء – أعذب المناهل التى استقيت منها موضوعات شعرى : فى ريعان شبابى ، واتزانات كهولتى ، وارتعاشات شيخوختى . إنها فلسطين ، أرض الأنبياء ، ومسرى خاتمهم .. كانت – ولم تزل – العبير والدم والحياة التى تتدفق فى شرايينى " ([38]) .

وقد أولى الشاعر قضية الكفاح الفلسطينى موفور عنايته فأفرد لها ديوانا خاصاً ، كما حرص على تتبع هذه القضية فى شعر الشباب وتعقب انتاجهم فى صورة نظرات نقدية واعية عبر عملين جليلين هما " " أدبيات الأقصى والدم الفلسطينى " و" فلسطين مأساة ونضالاً فى شعر الشباب " .

وقد حرص الشاعر خلال قصائده فى رحاب القضية الفلسطينية على تناول القضية بكل أبعادها من منظور إسلامى حصيف ، فكانت له قصيدة بعنوان " صوت حماس " يصور من خلالها نهج هذه الجماعة  واقتدائها بالنبى r وصحابته فى اتخاذهم الجهاد شريعة ومنهاجاً لرفع راية الحق وادحاض الباطل .

كما كانت له قصيدة بعنوان " الإسراء والأطفال والحجارة " يشيد فيها بأطفال الانتفاضة ويتمنى أن يكون معهم ليشاركهم فى هذا الفضل العظيم ، ليس هذا فحسب ، بل ويطلب منهم إذا ما هو قتل أن يأخذوا عظامه ويجعلوها حجارة يضربون بها الأعداء حتى يتم النصر ، وفى هذا المعنى يقول :

أيا أطفال .. يا أملا



 

وأنتم قوة .. جاه

 

محمد لم يمت . فيكم




 

عزيمته وذكراه


 

خذونى أنضوى معكم


 

بدرب قد عشقناه


 

فأرمى مثلما ترمون


 

صخراً قد شحذناه


 

ومن لهب سقيناه


 

وبالإصرار سقناه


 

فإما يهو فى الميدان


 

جسمى البغى أراده


 

ومزقه لأشلاء


 

فصلوا فوق أشلاه


 

وخلوا أعظمى حجراً


 

بوجهٍ قد لعناه


 

وسيروا فى طريقكمو


 

فعين الله ترعاه


 

فهذا النصر مؤتلق


 

وأنتم بعض بشراه


 

وواعدنا هو الله

 

وموعدنا هو الله ([39])

 

كما كانت له قصيدة بعنوان  "  يا فتى الانتفاضة "  نظمها بمناسبة مرور أربع سنوات على الانتفاضة المباركة ([40]) .

ولم تقف أشعاره عند حد الرصد والتتبع لحركة الجهاد الفلسطينى ، والبكاء والأسى لما حل بالأراضى المقدسة وحرمات المسلمين ، بل لقد كانت له أشعار تفيض أملاً وحماسة وإيماناً بأن النصر قادم وأن الغلبة للمسلمين كقصيدة التى هى بعنوان "  يا قدس " والتى يقول فيها :

فتشبثى بالحق

 

..

حقك فى عزيمة قسور

 

وتحصبنى بالعزة القعساء

 

،

لا تتقهقرى

 

وطريقهم لا تسلكيه

 

،

ففيه كل مدمر

 

أما طريقك ..

 

 

فالجهاد المر حتى تظفرى

 

فحماس عز الدين

 

 

بالمرصاد للمستعمر

 

بالمدفع الرشاش ينطق

 

 

باللظى المتسعر

 

ويفجرون جسومهم بين

 

 

العدى لتحرّرى

 

قد ذل من ترك الجهاد

 

 

ولان للمتجبر

 

لا تقنطى من روح ربى

 

 

وانهضى واستبشرى

 

فالنصر ليس بطائرات

 

،

أو بقوة عسكر

 

أو بالخداع ، وبالمكائد

 

..

والعديد الأكثر

 

النصر يا قدس العروبة

 

 

باليقين الأطهر

 

النصر بالإيمان

 

 

والعزم الوثيق.. تذكرى:

 

من ينصر الله القدير

 

 

على الأعادى ينصر ([41])

 

وتحت مظلة المنطلق الثالث والذى يدور حول الإيمان بأن للشعر رسالة أبدع الشاعر غرر قصائده ، بل إننا لا نكاد نعدو الصواب إذا قلنا إن أشعاره كلها جاءت صدى لتلك النظرة الإيمانية برسالية الشعر .

 وقبل أن نسترسل فى ذكر نماذج لهذا الشعر الرسالى ينبغى أولاً أن نتعرف على مفهوم هذا المصطلح – الذى هو من ابتكارات الشاعر – فنقول:

إن الشعر الرسالى كما يراه الدكتور جابر قميحة – هو الشعر الذى ينبض بروح العقيدة ، ويتنفس آلام الأمة وآمالها ، وحقائق القيم الإنسانية العليا ، والنضال القومى والوطنى فى مفهومه السوى الصحيح ، دفاعاً عن الدين والحق والحرية والعرض والأرض ،  والمستضعفين المظلومين من عباد الله .

وهذه" الرسالية " ، وقد يسميها بعضهم " التزاماً " لا تحمل أى لون من ألوان القهر الذاتى ، أو الإجبار الاجتماعي ، أو الهادفية النفعية، إنما هى " الأرضية الخصبة القابلة " التى تنبت وتنمو فيها شجرة الإبداع ، تلك الشجرة الطيبة التى تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، ومن ثم يصبح الشاعر المسلم رساليا اتساقا مع نسيج " شخصيته الإيمانية " ولو أراد غير ذلك ما استطاع .

وليس معنى  " الرسالية " أن يكون الشاعر حاداً صارماً يعطى كل اهتمامه للمضمون الفكرى، بل إن " الرسالية الشعرية " لا تتحقق إلا إذا توافر لها العناصر الآتية :

1- إنسانية المضمون الفكرى ، بعيداً عن المجانة و السقوط والاهتراء الخلقى .

2- البعد عن المباشرية والتقريرية ، وإلا تحول الشعر إلى دروس وعظية .

3- الصدق الفنى وجمالية التصوير والتعبير "([42]) .

وهكذا وضع الدكتور جابر معايير فكرية وفنية للشعر الرسالى مستوحيا إياها من الهدى النبوى الذى يقول فيه النبى r " إن من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكمة "

" فالسحر يشير إلى ركيزة " العاطفة " أو " الوجدان " والحكمة تشير إلى ركيزة " الفكر السوى المثمر "  وكل أولئك يظهر فى أداء لغوى جميل ، وعلى هذا الأساس ، تكون أركان الأدب الرسائلى :

1- الفكر السوى الناضج .

2- العاطفة الصادقة .

3- اللغة الآسرة الجميلة "([43])

وفى تطبيق عملى لتلك النظرة الايمانية برسالية الشعر جاءت إبداعات الدكتور جابر قميحة ، فكان بحق رجل من رجالات الأمة الذى يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره ، جعل قلمه وقفاً لله ، وسخر كل وقته للقيام بحق جهاد الكلمة وخدمة قضايا أمته إيماناً منه بأن الكلمة عرض الشاعر ، فإذا فرط فيها أو تهاون فى حقها كانت لعنة عليه ووبالاً يستوجب الطرد من جنة الرحمن ، وهو فى تأكيد هذا المغنى يقول :

إن الكلمة عرض الشاعر


 

إن الكلمة عرض الشاعر

 

فإذا مالت..



 

نحو الدرك الأدنى السافل


 

فى مستنقع مدح داعر..  


 

لنفاق السلطان الجائر


 

كانت لعنة


 

تطرد صاحبها مذموماً


 

من فردوس الله الأعظم


 

منكوساً..


 

موكوس الجاه


 

يتمنى الموت

 

ولا يلقاه.. ([44])

 

وقد أبان الدكتور جابر عن منهجه فى شعره وأنه لم يبتغ به غير وجه الله ونصرة الحق ، غير مبالٍ بما قد يتخذ ضده من مواقف معادية بقوله :

وأنا عشت لقلمى شاعر

 

عشت لقلمى

 

ليس بقلمى


 

 

عشت عزيز النفس أبياً


 

عاتى الضرم


 

حتى فى ظلمات الالم


 

عشت أنيسى صوت الله


 

فى عزته أجنى الجاه


 

وبإحساسى وبأعماقى


 

كنت أراه


 

فأناديه


 

وأناجيه


 

وأسير بركب حوارييه


 

وأعطر جبهتى الحرة


 

بركوع .. وسجود خاشعْ


 

فى محراب جلال اللهْ


 

وفيوض من نور ساطعْ


 

ملأ الارضَ ..

 

وملأ سماهْ ([45])

 

ومن أروع أمثلة الشعر الرسالى قصيدة للشاعر بعنوان " براءة " يتوجه فيها بالنصيحة إلى قلمه والتحذير من الحيدة عن طريق الحق أو اتخاذ شرعة المنافقين منهاجاً ، وهو فى الوقت نفسه يرسم لقلمه الطريق السوى الذى ينبغى عليه أن يسلكه فى مسيرته الإبداعية فيقول :

ونحن نعيش عصر الغربة والكربة

 

...

أقول لقلمى

 

برئت منك إذا ما هنت يا قلم

 

 

فلم يفجرك فى ليل الاسى الالم

 

أو إن تقاعست عن رمى الألى غدروا

 

 

وكان أرخص ما يشرونه الذمم


 

أو إن تهاونت فى حق نكون به

 

 

ناساً ، ومن غيره إنا ولا البهم

 

برئت منك إذا لم تغد جاحمة

 

 

سعيرها المر قد فاضت به الكلم


 

أما الوقود فنذل ساق أمته


 

 

إلى الحضيض ، فلا دين ولا قيم

 

لتنطوى صفحة البطلان خازية

 

 

ويسقط العبد والأفاق والصنم

 

والناس إن ظلموا البرهان واعتسفوا

 

 

فمن هوان الحمى أن يقبل السلم

 

ولا تكن لى كأقلام الألى مرودا

 

 

على النفاق ، وبالحرمات قد نعموا


 

يقبلون تراب المحسنين لهم

 

 

وفوق أرؤسهم قرت لهم قدم


 

إن قال سيدهم " لا" فهْى كِلْمتهُمْ


 

 

وإن يقل " نعم " قالوا ، " نعم " نعم

 

عمى عن النور ، فى آذانهم صمم

 

 

لا ينطقون بحق ، إنهم بكم


 

يرضون بالدون والدنيا إذا نعموا


 

 

أما إذا حرموا أطماعهم نقموا

 

كأنهم فى مسار العمر قد خلقوا

 

 

بلا عقول ، فهم فى عيشهم غنم


 

أرفض دروبهم ، فالذل دينهم


 

 

وأنت بالدين شهم مفرد علم

 

واحقر مدادهم ، واجعل مدادك من

 

 

دمع يمازجه من الجراح دم


 

واشدُدْ عليهم بروح الله مقتحماً

 

 

وافضح حقيقة ما باحوا وماكتموا([46])

 

وغاية ما يقال فى مذهب الشاعر وتوجهاته الشعرية أنه سلك مسلك حسان بن ثابت شاعر الرسول r واتخذ دربه طريقاً يسعى به لنصرة الحق وادحاض الباطل ، يسانده فى ذلك إيماناً لا يرتد ويقين لا يتزعزع وهذا ما أفصح عنه الشاعر بنفسه فى قوله :

فدربى درب حسان

 

 

به شعرى قد استنا

 

وكان المنبع الصافى

 

 

لفنى .. ديننا الأسنى

 

تخذت كتابه أصلاً

 

 

وسنة أحمد ركنا

 

لأنسف للهوى حصنا

 

 

وأبنى للعلا حصنا

 

بإيمان .. صداه الحق

 

 

فى قلبى له سكنى

 

ولايفوتنا ونحن نتحدث عن مذهب الشاعر وتوجهاته الشعرية أن نشير – ولو على سبيل الاجمال – إلى أهم ملامح مذهبه الشعرى ،فنقول :

إن أهم ما يميز مذهب شاعرنا ما يلى  :

- غلبة الطابع الإسلامى على المضمون والشكل .

أما غلبة الطابع الإسلامى على المضمون فيتبدى ذلك من خلال معالجته لكثير من قضايا الامة الاسلامية ، وعلى رأسها قضايا الجهاد الاسلامى وتحرير الأراضى الإسلامية من أيادى الغاصبين ، وعناوين دواوينه :

" لجهاد الأفغان أغنى " ، " الزحف المدنس " ، " حسبكم الله ونعم الوكيل "  خير شاهد على ما نقول .

وأما غلبة الطابع الإسلامى على الشكل فيتبدى ذلك من خلال توظيفه لمجموعة من أدوات التشكيل الفنى التى تضفى على الشكل فى النهاية طابعاً إسلامياً واضحاً ، ومن هذه الأدوات ما يلى :

1- استدعاء الأحداث الإسلامية الكبرى فى تاريخ الأمة والتعبير بها عن أبعاد رؤيته الحديثة .

2- توظيف الرموز الإسلامية المشرقة توظيفاً رمزياً لتحمل دلالات معاصرة .

3- التناص مع القرآن الكريم أو الحديث الشريف .

4-استلهام النهج القرآنى فى بناء الجملة

وقد تجلت هذه الأدوات الفنية فى معظم أشعاره وخاصة فى ديوانيه " حديث عصرى إلى أبى أيوب الأنصارى " و" لجهاد الافغان أغنى " ، وقد أفاض الدكتور على عشرى فى توضيح ذلك من خلال مقاله " الأدباء الدعاة " جابر قميحة نموذجاً " وكذا الكاتب الناقد أحمد محمود مبارك فى مقال له بعنوان " نظرات فى ديوان حديث عصرى إلى أبى أيوب الأنصارى " وكذا الدكتور خالد فهمى فى مقال له بعنوان " ملامح التحيز للتصور الإسلامي فى شعر الدكتور جابر قميحة "

ومن ملامح مذهب شاعرنا الشعرى أيضاً :

- الجدة والالتزام والصدق فى التعبير .

- السهولة فى الأداء والوضوح فى التصوير والبعد عن التكلف أو الإغراق فى المبالغة أو الجموح فى الخيال .

       - الجمال البيانى الأخاذ .

وهذه الملامح جميعها تبدو واضحة فى إبداع شاعرنا ، مما يجعل لإبداعه مذاقا خاصاً لدى قرائه ومريديه .

وفى الحقيقة هذا قليلٌ من كثير يجب أن يقال عن مذهب شاعرنا وتوجهاته الشعرية وملامح هذا المذهب ، وقد ذكرت بعضاً من ذلك على سبيل الإجمال لضيق المقام ولحاجة ذلك إلى دراسات طويلة مستفيضة ليس هذا مكانها، ويكفى فى هذا المقام أن ندلل على ما ذهبنا إليه من ملامح مذهب شاعرنا من خلال قصيدة تعد من أروع وأعذب ما نسجت يداه ، تلك القصيدة التى هى بعنوان " لماذا انحنيت " والتى يقول فيها :

لماذا انحنيت ؟

ووصيتك الأمس قبل الممات..
وفيها سطرت تزول الجبال..
وفيها : ستعصف هوج الرياح
وفيها : سيمتد ليل الأسى
وفيها :يكون جفاف وجوع
وفيها انتصر بالثبات العتي
                                     ***
فأين وصاة أبيك الذى ..
وكم سهر الليل يحمى حماك
ويحمل عنك هموم الحياة
عصيت وصاتى التى صغتها
وكنت أظنك نعم الوريث!!
فبعت جوادى الأصيل الكريم
وشعرى بعت ونخلى بعت
وبعت سريرى الذى فوقه
للص بغى عتل .. زنيم
                                ***
لتلثم نعليه.. فى ذلة
فكيف تبيع التراث العزيز ..
وتاج من الشوك يدمى الجبين
وعرش حقير له لمعة ..
ولم تدر أنك حين اعتليت
وفى موكب الذل صرت الأمير
                                    ***
فلا تملك الأمر إما تشأ ..
وتصدع بالأمر .. إما أمرت
فلما سكرت بخمر الخداع
غدوت لغيرك .. أضحوكة
وقلنا: اكتفيت بما قد جمعت..
فعن قوس أعدائنا قد رميت
بسهمك خر عزيز .. أبى
أتحمى حياة العدو العقور
                                  ***
أأبكى عليك ؟؟ أأبكى إليك؟؟
ففى غدك المستباح الجريح
ويرتد سهمك فى مقلتيك..
فليس لما قد كسرت انجبار ..
وتدرك بعد فوات الأوان ..
وما دمت قد بعت حتى الحطام
فإنى أخشى غداً أن تبيع

 

 

وصية حق ... ولكن غويت
ولا تنحنى أبداً فانحنيت
فكن قمة صلبة فانحنيت
فلا تبتئس بالأسى فانحنيت
فمت بالطوى شامخاً فانحنيت
وبالصبر فى عزة فانحنيت
                                    ***
إلى دفئ مهجته قد أويت؟
ويبكى دماء .. إذا ما بكيت
ويرعى الذى بعده ما رعيت
بدمّى، وللمخزيات مشيت
فكيف تبيع الذى ما اشتريت؟!
وأُماً ، وأختاً ، وأرضاً ، وبيت
وسيفى ورمحى ، وسرج الكميت!
ولدت وكم نمت حتى استويت
على قدميه –خسئت-  ارتميت
                                   ***
وتلعق طينهما ، ما استحيت!!
بكسرة خبز ، ونقطة زيت ؟!
ووعد كذوب ، وكيت ، وكيت
من البهرجات .. إليه ارتقيت
هبطت بما أنت فيه اعتليت
ذليلاً كسيح المسار مشيت
                                     ***
ولا النهى تملك إما نويت
وينفذ أمر العدا إن نهيت
ومالت بك الخمر لما انتشيت
فليس سوى الخسر ما قد جنيت
من العار ، لكنما ما اكتفيت
فوا حسرتاه على من رميت !!
بجمرك قلباً طهوراً .. كويت
وايضاً  تراثى لهم قد حميت !!
                                    ***
أأبكى علينا لما قد جنيت؟!
ستصرخ يا ليتنى ما انحنيت
ولن ينقذ البيت آلاف ليت
بما قد جررت، وما قد غويت
بأنك لما انحنيت .. انتهيت
ولم تبق أماً وأرضاً وبيت
عظامى وقبراً به قد ثويت
 

 

وقد جاءت لغة هذه القصيدة تفيض روعة وعذوبة وجمالاً وصدقاً على الرغم مما يشيع فى جنباتها من شعور بالألم والحزن والحسرة والأسى على ما فرط فيه جيل الأبناء ، فقد باعوا النفيس بأبخس الاثمان !

ولا شك أن القصيدة تحمل نوعاً من العتاب المرير والتوبيخ اللاذع والإدانة التامة لكل من فرط أو تهاون فى قضيته وباع دينه بدنياه، ناهيك عمن باع دينه بدنيا غيره .

وأعتقد أن ما تفوح به القصيدة من عظيم المعانى ورائع الأجواء التى صنعتها المعالجة الفنية الصادقة أروع وأعظم بكثير مما قد يقال فى تفسيرها ؛ لذا آثرت أن أختم بها الحديث عن مذهب شاعرنا الإسلامى المتفرد .

وأخيرًا وليس آخرًا          

أرجو أن أكون قد وفقت فى الوفاء بحق أستاذنا بحسبانه واحد من أنصار الكلمة النبيلة الصادقة، واعتذر اعتذارًا بالغًا إن كنت قد أسأت أو قصرت فى الكشف عن جوانب شخصية عظيمة ثرية، موفورة العطاء ، مجبولة على السخاء ، نعتز ونفخر بانتسابها إلى عالم الأدب والنقد .

الباحثة / أسماء السيد مصطفى شكر

المدرسة المساعدة

بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالإسكندرية

               

([1]) ينظر: الإمام الشهيد حسن البنا بين السهام السوداء وعطاء الرسائل – الدكتور / جابر قميحة – دار التوزيع والنشر الإسلامية – سنة 1419هـ - 1998م – صـ 13 وما بعدها .

([2]) الدكتور جابر قميحة .. الجهاد بالقلم – وصفى عاشور أبو زيد – الشبكة العنكبوتية .

([3]) ينظر : على عشرى بين الموضوعية والولاء التراثى – الدكتور جابر قميحة .

([4]) الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف – الدكتور جابر قميحة - الدار المصرية اللبنانية – الطبعة الأولى – سنة 1412هـ - 1992م – صـ 9 – بتصرف .

([5]) الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف- صـ 10 ، 11 . بتصرف .

([6]) السابق نقلًا  عن الموشح للمرزبانى – دار نهضة مصر – القاهرة – 1973م – صـ 82 - 84 .

([7] ) الأدب الحديث بين عدالة الموضوعية وجناية التطرف – صـ 12 .

([8] ) " على عشرى بين الموضوعية والولاء التراثى "  الدكتور جابر قميحة – الشبكة العنكبوتية .

([9] ) ينظر : يا سادة كيف يكون للنثر قصيدة – حوار مع الدكتور جابر قميحة أجراه حسن الشهرى .

([10] ) ديوان " حسبكم الله ونعم الوكيل " - الدكتور جابر قميحة – صـ 64 – 65 .

([11]) نادى المنطقة الشرقية يقيم حفل تكريم ووداع للدكتور جابر قميحة – الرياض الأحد 20 صفر 1419هـ / 14 يونيه 1998م ، الشبكة العنكبوتية . 

([12]) الدكتور / جابر قميحة الجهاد بالقلم بقلم وصفى عاشور أبوزيد .

([13]) قميحة لموقع " حماسنا " : الشباب لا يبدع بسبب البطالة ولقمة العيش – الشبكة العنكبوتية . 

([14]) تحية إلى الدكتور : جابر قميحة – شعر المهندس طه الشبينى – الشبكة العنكبوتية .

([15]) مسلمية الأديب شرطاً لإسلامية الأدب - صـ104 - بتصرف يسير .

([16]) جابر قميحة شاعراً : رسالة ماجستير للباحث حمدان - صـ400

([17]) أغادير اسم مدينة بالمغرب.

([18]) ديوان " حسبكم الله ونعم الوكيل " للدكتور جابر قمحية - مركز الإعلام العربى – مصر – الطبعة الأولى 1427 – 2006م 

([19]) " حسبكم الله ونعم الوكيل " - صـ141 ، صـ142 .

([20]) ديوان " حديث عصرى إلى أبى أيوب الانصارى " - د. جابر قميحة - دار البشير – عمان – الطبعة الأولى- 1418هـ 1997م - صـ12 .

([21])  القصواء : ناقة الرسول r .

([22])  الرغاب : الرغبات .. المقاصد .

([23]) البلسم : العلاج والدواء.

([24])  يشاب : يخلط ويعكر .

([25]) غيل : قتل غدراً .

([26]) ديوان " حديث عصرى إلى أبى أيوب الأنصارى للدكتور جابر قميحة – دار البشير – عمان – الطبعة الأولى- 1418هـ - 1997م - صـ5 ، صـ6 ، صـ8 .  

([27])  ينظر : ديوان " حسبكم الله ونعم الوكيل " - صـ21

([28]) ينظر : ديوان " الزحف المدنس " للدكتور جابر قميحة عربية للطباعة والنشر – الطبعة الأولى 1412هـ - 1992م صـ45

 

([29]) حسبكم الله ونعم الوكيل "- صـ108 ، صـ109 ، 110 - بتصرف

([30]) " جابر قميحة شاعراً " - صـ403- بتصرف

([31]) غلاف ديوان " لجهاد الأفغان أغنى " لجابر قميحة .

([32]) ديوان " لجهاد الأفغان أغنى "-  للدكتور جابر قميحة - 1412هـ - 1991 - صـ92 ، 93 .

([33]) مقدمة ديوان " الزحف المدنس " - للدكتور جابر قميحة- صـ9 ، صـ10.

([34]) ينظر : السابق - صـ31 ، صـ32 .

([35])  "الزحف المدنس " صـ41

([36]) أدبيات الأقصى والدم الفلسطينى للدكتور جابر قميحة سلسلة كتاب القدس ( 3 ) مركز الاعلام العربى – مصر الطبعة الأولى 1422هـ - 2001م ، صـ33 ، صـ34 بتصرف

([37]) ينظر : السابق صـ35 .

([38])  السابق ، صـ36 .

([39]) " حسبكم الله ونعم الوكيل " صـ115 ، 116 .

([40]) السابق ، صـ103.

([41])" حسبكم الله ونعم الوكيل " صـ120

([42]) مقدمة ديوان " حسبكم الله ونعم الوكيل " صـ7 ، صـ8 .

([43]) ينظر : مقال " حوار فى اللغة والأدب مع الدكتور جابر قميحة " الشبكة العنبوتية "

([44]) ديوان " لجهاد الافغان أغنى"- صـ20 ، صـ21 .

([45]) السابق ، صـ21 ، صـ22 .

([46]) نشرت فى مجلة المجتمع ( الكويتية ) العدد 1240 – 25 شوال 1417- 4 مارس 1997م .

 

 

طباعة

 

 
   
  "ما ينشر يعبر عن رأي صاحبه"  
 

 

`