آخر تحديث : 21-11-2009
الوثنية السياسية وعبادة القصور
عبد الرحمن يوسف بريك
الشواشنة / الفيوم /مصر
abdouboraek@hotmail.com
لم
تعد كلمة الوثنية – إذا ما ورد ذكرها في أي حديث – تعني فقط المدلول القديم للكلمة
والمتمثل في عبادة الأوثان من دون الله ، بل قد اتسع مدلولها مع ازدياد الأوثان غير
الحجرية فصار معناها أشمل وأعم .
فإن
كانت الأديان جميعها ترفض وثنية العبادة والمعتقد ، فإن ديننا الإسلامي الحنيف شدد
على نبذ هذه الوثنية ، وعد أن إنكارها هو المدخل الصحيح للإيمان بالله أو التوحيد
وفق المفهوم الإسلامي .
بيد
أن الليالي الحبالى تمخضت عن نوع جديد من الوثنية الحديثة ، لم تعد الأحجار تمثل
الوثن المعبود الذي تقدم له القرابين ، وتنحر عنده الذبائح ، ويركع عباده بين يديه
أو تحت قدميه تذللاً وخضوعاً ، بل صار قصر الملك أو الرئيس أو الأمير أياً كان اسم
الحاكم هو الوثن الجديد المعبود الذي تذل له الرقاب ويقال له : سمعنا وأطعنا بكل من
بداخله وما بداخله ، تلك هي الوثنية السياسية إن صح التعبير .
فإن
كانت الوثنية الدينية هي زيارة القبور والتمسح بها وطلب العون والمدد من ساكنيها من
الأموات واليقين الكاذب أنهم يملكون لزوارهم نفعاً أو ضراً ، فإن الوثنية السياسية
هي زيارة القصور والوقوف عند أبوابها والتمرغ على عتباتها وتقديم الولاء والطاعة
لساكنيها من الأحياء ، واليقين الكاذب أيضاً أنهم يملكون لأنفسهم أو لغيرهم نفعاً
أو ضراً من دون الله .
وتعالوا لندرس تلك الظاهرة ونحلل عوامل انتشارها في مجتمع ما ، علنا نستطيع الوقوف
على بعض النقاط التي تهم القارئ .
نقول : إن هذه الظاهرة لا تنتشر في المجتمعات الديمقراطية التي تسمح بتداول السلطة
، فالحاكم في هذه المجتمعات شخص من الشعب يختاره الشعب ليتولى أمر الدولة وفق
نظامها الموضوع سلفاً ، فهو منفذ سياسة ، فإن حاد أو أخفق في رعاية شعبه اختاروا
غيره دون تردد ، لذا فلن يصبح الحاكم في تلك الدول وثناً أبداً .
كما
لا تنتشر هذه الظاهرة أيضاً في المجتمعات المتقدمة علمياً ، فالشعب المتعلم الواعي
يعرف حقوقه وواجباته ، يؤدي ما عليه دون إبطاء ولا يتردد في المطالبة بحقوقه التي
يعرفها جيداً ، ويدرك أن الحاكم مخول من قبل المجتمع للسهر على مصالحه ورعاية شئونه
، كما أن هذا الشعب يعرف جيداً كيف يطالب بحقوقه دون ثورة أو انفعال ، وهو شعب
مشغول بتقدمه العلمي عن تقديس شخص كائناً من كان .
ولم
تنتشر هذه الظاهرة في المجتمعات التي حكمت بشريعة الله ، فشريعة الله – أياً كانت
هذه الشريعة – لا تقدس بشراً من دون الله ، وأكبر مثال على ذلك يوم حكم الإسلام
أهله ، فقد كان الحاكم واحداً من المسلمين اختاروه ليرعى شئونهم ، وانظر إلى أبي
بكر الصديق – رضي الله عنه - يوم ولي الخلافة ، لقد صعد المنبر وخطب في الناس
قائلاً : " أيها الناس لقد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن رأيتم في اعوجاجاً فقوموني
، أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم " ، فلم ير في نفسه
العصمة ولا القداسة وما رآها الناس فيه ، وكذلك كان دأب الخلفاء والأمراء من بعده .
بيد
أن هناك مجتمعات قدست الحاكم ووضعته إلهاً من دون الله ، فهذه مصر الفرعونية اتخذت
الفرعون وثناً يعبد : " قال أنا ربكم الأعلى " ،
وعبد الصينيون والهندوس أوثاناً أخرى من دون الله .
وهنا نتساءل : متى تظهر الوثنية السياسية ؟
نقول : إنها تنتشر في المجتمعات الفقيرة التي لا تجد قوت يومها ، حيث يصبح الحاكم
مصدر الرزق لها ، بيده إطعامها إن أراد وتجويعها متى شاء ، فتصبح الشعوب طيعة بين
يديه ، ترى فيه الوثن الذي لا تستطيع الالتفات بعيداً عنه ، ولا الالتفاف إلا حوله
، يقول فلا يرد قوله ، يأمر فيأتمر الجميع بأمره دون نقاش أو تردد ، يقول رأياً
اليوم فيهلل الجميع لرأيه العبقري ، ويأمر بعكسه غداً فيصفقون لحكمته البالغة ،
وقراره الرشيد .
وتنتشر هذه الظاهرة أيضاً في المجتمعات التي يقبض حكامها على مقاليد الأمور بالقوة
الغاشمة ، فيستبد الخوف بالناس ، يرون القانون ينتهك من أصحاب النفوذ فلا يملكون
فعل شئ خوفاً من بطش الحاكم وبطانته ، تهدر حقوقهم فيسكتون ، يعلمون أن القضبان
السوداء هي المصير المحتوم لمن يسير عكس تيار الحاكم الغاشم ، وفي هذه الظروف يظهر
عباد القصور الذين يمرغون أنوفهم للحاكم وبطانته ، يهللون ويطبلون لكل كلمة يقولها
الحاكم ، ألغوا عقولهم ، فكيف يفكرون والحاكم هو المفكر الأوحد ، ولم لا ، أليس هو
العارف بكل شئ ؟! ، " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري
من تحتي " .
وتنتشر هذه الظاهرة أيضاً في المجتمعات الجاهلة التي ضرب الجهل أطنابها ، فصار من
يعرف شيئاً يسيراً من العلم أياً كان نوعه وثناً لأولئك الجهلاء ، يقول فيفغر
الجميع أفواههم بلهاً وجهلاً ، يفتي بأي شئ فيصدقه الجميع ويعملون بما يقول ، حتى
وإن أفتاهم بما يهلكهم .
أما
العجب العجاب فهو أن تجد الكثير من حملة الشهادات الكبرى في بعض المجتمعات يقومون
بدور سدنة الوثن السياسي ، يزينون للناس أفعال الوثن ، يحللون كل حركة وسكنة تبدر
منه بأنها الحكمة التي لا يعرفها الكثيرون والتي وراءها المعاني العظيمة التي لا
تعيها العقول ، ويزيد الطين بلة أن يكون بعض رجال الدين هم أهم سدنة الوثن السياسي
في عصرنا الراهن ، يكيفون ما يقول حتى يوهموا الناس أنه الشرع الحق الذي ينبثق من
صميم الدين .
لكن
، حينما تبدأ الشعوب في الإفاقة وتعرف أن حكامها ما هم إلا بشر مثلهم ، إلا وتبدأ
المعركة بين سدنة الوثن وحملة المعاول التي تريد هدم الأوثان الزائفة ، قد تستمر
طويلاً هذه المعركة ، وقد تزهق فيها أرواح الكثيرين من حملة معاول الإصلاح ، لكن في
النهاية ، لا بد أن يأتي الفتى إبراهيم بمعوله فيهدم الأوثان الزائفة ويعلق معول
الإصلاح على كتف كبيرهم ، وعندئذ تعرف الشعوب أنها تخلصت من أوثانها وتردد مع الفتى
إبراهيم - حين يقف زوار هذه الأوثان مذهولين مما يرون - :
" فاسألوهم إن كانوا ينطقون ".

|